490

وحديث:

" ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي ".

وجواب ذلك أن هذه الأحاديث رواياتها آحادية فلا تفيد الا الظن في مدلولها، والاعتقاد ينبني على اليقين دون الظن، فلذلك لا يكون إلا ثمرة النصوص المتواترة دون الظواهر القابلة للتأويل ولو تواترت، ودون ما كان طريق روايته آحاديا وإن يكن نصا على أن ظاهر هذه الروايات الذي استندوا إليه متعارض مع النصوص القاطعة من الكتاب، وهي لا تقوى - لا من حيث المتن ولا من حيث الدلالة - على معارضة هذه النصوص، فيجب إما إسقاطها وإما تأويلها بما يتفق معها وذلك أن يحمل المراد من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام:

" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "

على التائبين ممن قارف الكبائر دون المصرين، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يشفع لهم عند الله لأجل قبول توبتهم وحط أوزارهم، وعليه فيتضمن قوله صلى الله عليه وسلم ذلك حضهم على التوبة وإطماعهم في المغفرة، وإبعاد القنوط عنهم، ومثل هذا قوله تعالى:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الزمر: 53]، فإن المراد به الترجية في المغفرة مع التوبة لا مع الإصرار على الذنوب بدليل ما وليه من حض على الإنابة، وتحذير من الإصرار في قوله:

وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين

[الزمر: 54-58]، وإطلاق اللفظ مع قصد تقييد معناه معهود عند العرب مع القرائن الدالة على المراد وفي القرآن والحديث نصيب وافر منه، ولو كان المراد من حديث " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " ما فهموه منه لكان في ذلك إغراء منه صلى الله عليه وسلم وأي إغراء على المعصية - حاشا وكلا - كيف وهو الذي أمر فلذة كبده فاطمة رضي الله تعالى عنها أن تشتتري نفسها من الله وأخبرها أنها لا يغني عنها من الله شيئا.

وما أبدع ما قاله العلامة صاحب المنار في الذين يجترئون على الله بالمعصية متكلين على العفو والشفاعة، وإليكم نص قوله:

صفحه نامشخص