جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وهل يبقى بعد هذه النصوص القاطعة مجال للمماحكة في هذا الأمر وقد وضح الصبح لذي عينين، ولم تعد الحقيقة في خفاء عن الأبصار.
ولعمري لئن كانت شفاعته صلى الله عليه وسلم للمصرين على الكبائر كان كل أحد من أمته يتمنى ويدعو بأن يموت على الإصرار إذ ما من أحد إلا ومن أمنيته ودعائه أن يكون من أهل شفاعته عليه أفضل الصلاة والسلام.
واستدل القائلون بصحة الشفاعة لأهل الكبائر بما لا يفيدهم شيئا، من ذلك قوله عز وجل حكاية عن عيسى عليه السلام:
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم
[المائدة: 118]، وقوله حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[ابراهيم: 36]، وذلك أنهم قالوا ان هذه شفاعة من النبيين الكريمين عليهما السلام، وهي لا تكون للكفار لعدم أهليتهم لها ولا للمسلم المطيع أو التائب من معصيته لحصول المغفرة لهما دونها فلا محل لها الا صاحب الكبيرة غير التائب، واذا كانت هذه الشفاعة من النبيين الصالحين الكريمين لأهل الكبائر من أمتهما، فأحرى أن يكون مثلها لصاحب الرسالة العظمى واللواء المعقود صلى الله عليه وسلم في أمته.
والجواب أن ما قاله النبيان الكريمان - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما - لا يعدو أن يكون تسليما منهما لأمر الله، ووقوفا عند حدهما، فالمخلوق وإن ارتقى الى أوج الاصطفاء الإلهي ليس له من الأمر شيء، ولو سلمنا أن هذه شفاعة منهما فمن أين لهم أنها تقبلت عند الله وأنه عفى بسببها عن صاحب كبيرة لم يتب منها، ثم من أين لهم خصوصية هذه الشفاعة المزعومة بمن قارف ما دون الشرك من الكبائر مع أن سياق حكاية ما قاله النبيان عليهما السلام في القرآن تدل على خلاف هذا الزعم فالآيتان السابقتان على ما حكى عن عيسى في سورة المائدة صريحتان في كون الذين يعنيهم المسيح عليه السلام في هذا القول هم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، والآيتان هما قوله عز وجل:
وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
[المائدة: 116- 117]، وأما المحكى عن الخليل عليه السلام فإنما هو في عبدة الأصنام بدليل ما سبقه وهو قوله عز من قائل:
صفحه نامشخص