جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقدم في هذه الآية نفي قبول الشفاعة على نفي أخذ الفيدة بخلاف آية (123) وذلك قوله:
ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة
وهذا الاختلاف في التعبير، انما هو بحسب اختلاف طبائع الناس في هذه الدنيا، فإن منهم من يكون أحرص على سلامة المال، ومنهم من يكون أحرص على استبقاء علو النفس والمحافظة على شرفها: فالصنف الأول يؤثرون التوسل بالشفاعات - في التخلص من المكاره - على بذل المال، والصنف الثاني يعدون المال فدية للشرف فيحرصون على عدم الضاراعة وطلب العفو المحض ما دام بذل المال يسد مسد ذلك، أفاد ذلك الفخر الرازي.
وجملة { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } صفة ليوم، والضمير العائد إلى الموصوف محذوف تقديره فيه، وقدره آخرون بدون الجار نظرا إلى أن الضمائر الرابطة بين الصفة والموصوف أو الصلة والموصول أكثر ما عهد حذفها إذا كانت منصوبة، وعليه، فقد حذف أولا الحرف الجار فانتصب الضمير واتصل بالفعل فعومل معاملة الضمائر المنصوبة في الحذف.
عدم جدوى الشفاعة لغير الصالحين
وهذه الآية - كما ترون - قاضية بعدم قبول الشفاعة يومئذ وهو الذي تقتضيه أختها آية (123) وإن عبر فيها ب " لا تنفعها شفاعة " لأن النفع ثمرة القبول ولازمه، فلو قبلت نفعت، كما أنها اذا لم تقبل لم تنفع، وهذه كلية من كليات العقيدة الإسلامية الحقة جاء بها القرآن في آيات متعددة ليثبت أن الإنسان يومئذ رهين عمله ولن يجني إلا ما زرع، وهو بذلك يقطع حبال الآمال على الكسالى الذين يمنون أنفسهم الجني من غير غرس، والراحة من غير نصب فيعطون أنفسهم هواها، فلا يصدونها عن حرمة، ولا يكلفونها واجبا آملين السعادة بشفاعة الشافعين، وبمجرد الانتماء الى الدين، وإن لم يكن له شيء مما يصدقه مما يعملون، وعقيدة الإسلام التي جاء بها القرآن والسنة الصحيحة الثابتة إنما تقوم على اعتبار استقلال كل فرد في التكليف، فلا ينفع فاسدا صلاح غيره، كما لا يضر صالحا فساد سواه، ومن هنا كان كل أحد مطالبا بإصلاح نفسه، وتقويم انحرافها، وحملها على الخير والنأى بها عن الشر، وإلا فلا يلومن غيره فإنه هو الذي جنى عليها، وبمجرد نظرة يلقيها اللبيب على آي القرآن الكريم يجد هذه الكلية الاعتقادية السليمة جلية بارزة، ومن أمثلة الآيات التي جاءت بها قوله تعالى:
ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا
[النساء: 123]، وهذا خطاب لهذه الأمة، والسوء على اطلاقه فإنه نكرة في معرض الشرط، وقوله سبحانه:
من جآء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون
[النمل: 89-90]، وقوله:
صفحه نامشخص