473

وهذا اليوم هو المعبر عنه بيوم الدين، ويوم القيامة، واليوم الآخر، وهو يبدأ بالبعث ولا نهاية له، وما ذكر هنا من وصفه ينطبق على جميع مواقفه حتى يستقر السعداء في دار قرارهم وهي الجنة، والأشقياء في مستقرهم الأبدي وهو النار.

والقراءة المشهورة بفتح التاء من (تجزى)، وقرئ بضمها في الشواذ، والمراد بالجزاء هنا القضاء، وذلك مما شهر على ألسنة العرب، ومنه ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر نساءه أن يجزين بعد الحيض أي يقضين صومهن، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام لأبي بردة في جذعته: " تجزيك ولا تجزى أحدا بعدك " ، وهو يتفق مع تفسيره بيغني فإن المؤدى واحد والمراد أن أي نفس لن تقضي يومئذ شيئا عن غيرها.

والشفاعة هي توسط أحد بين ذي حق ومن عليه الحق لعفو ذي الحق عن حقه، سواء كان الحق عينيا أم اعتباريا وهي تنبئ عن مكانه الشافع لدى المشفوع اليه، وتعود ثمرتها إلى المشفوع له، وهي مأخوذة من الشفع ضد الفرد لأن المستشفع بغيره إنما استكثر به لدى المشفوع لديه، فإذا ضم صوته إلى صوته كان شفعا بعد أن كان المشفوع له فردا.

والعدل الفدية وأصله ما يساوي الشيء قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه، وأما العدل " بالكسر " فهو ما يساويه من جنسه وفي جرمه.

وأصل النصر المعونة، ومنه الأرض المنصورة، أي الممدودة بالمطر، والمراد به هنا دفع الضرر، والضمير هنا - كسابقيه في قوله: { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } - عائد إلى ما دلت عليه لفظة " نفس " الثانية وانما جمع لكون نفس نكرة في سياق النفي، والنكرات المنفية للعموم، وذكر لأنه بمعنى العباد أو الأناسي وانما كانت هذه الضمائر عائدة إلى " نفس " الثانية دون الأولى لأنها هي المقصودة بالتحذير والإنذار، ومعنى ذلك أن النفس العاصية لا تجد يومئذ نفسا أخرى تقضي عنها شيئا، ولو وجدتها لم يقبل منها قضاؤها، ولو جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها، وكذلك لو ما جاءت بعدل يفديها ثم لو التمست نصيرا يحميها من عذاب الله لم تجده، وقيل: إن الضميرين السابقين عائدان إلى نفس الأولى بخلاف هذا الضمير الأخير، ومعنى ذلك أن تلك النفس - كما أنها لا يقبل قضاؤها عن النفس العاصية - فكذا لا تقبل شفاعتها لها، ولا فديتها عنها، واعتمد هذا القول القطب - رحمه الله - في الهيميان، واستدل له بكون النفس الأولى هي العمدة والثانية فضلة، والأصل أن يعود الضمير الى العمدة دون الفضلات، وذهب في التيسير الى أن الضمير الأول للأولى والثاني للثانية، وسوغ ذلك في الهيميان كما سوغ عودهما معا إلى النفس الثانية للتناسب مع قوله: (لا ينصرون)؛ وجوز ابن عطية عود الضمير الى في قوله: (لا ينصرون) على النفسين المتقدم ذكرهما، لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنس وهو جمع، وأنكر الألوسي الوجه الأول ووصفه بأنه ليس بشيء، كما ضعفه قطب الأئمة لاختصاصه بكون النفسين مشركتين أو فاسقتين أو فاسقة ومشركة، ثم قال لكن له وجه هو أن يكون المعنى أن الأخلاء على المعصية مع حب بعضهم لبعض في الدنيا لا ينصر بعضهم بعضا ولا ينصرهم المؤمنون، وأضاف إلى ذلك قوله: " والأولى إبقاء النفس على عمومها في المطيع والعاصي وعود الضمير في: ولا هم ينصرون للعصاة ".

وفي هذه التوجيه بعد وتكلف كأول توجيهي ابن عطية، وإنما يسوغ عوده على النفسين باعتبار ما في كل منهما من الدلالة العمومية، وحمل النصرعلى التوفيق لبلوغ المراد، فالنفس الأولى لا تبلغ مرادها في جدوى جزائها أو شفاعتها أو فديتها، كما أن النفس الثانية ليست ببالغة أمنيتها من إجداء ذلك لها ودرء العذاب عنها.

وفسر بعضهم النصر هنا بالانتقام كالذي في قوله:

ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا

[الأنبياء: 77]، وتوجيه هذا التفسير أنهم لا ينتقم لهم من الله - تعالى الله - للإثآر لهم مما أنزل بهم من العذاب.

وما ذكر هنا من عدم جزاء نفس عن نفس شيئا في ذلك اليوم.. الخ جاء منسقا حسبما عهد في هذه الدنيا من طرق الدفع عن الحميم عندما تنزل به كريهة من عدو قاهر فإن أول ما يبدأ به ذوو مودته أن يدفعوا عنه بما لهم من جاه ومكانه اجتماعية تجعل ذا القهر يتراجع عما كان ينويه بحميمهم، فإن لم يجدهم ذلك توسلوا إليه بلين القول ولطف الشفاعة ليسخو بالعفو مع قدرته على العقاب، فإن سد في وجوههم هذا الباب جادوا بالمال وبذلوا الفدية، فإن تعذر ذلك كله لجأوا الى التحالف على النصرة والتوسل بالعنف إلى ما لم يجد فيه اللطف، وقد آيس الله المجرمين من جدوى آية وسيلة من هذه الوسائل في تخليصهم من عقابه بعد أن تحق عليهم كلمته.

صفحه نامشخص