جواهر التفسیر
جواهر التفسير
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه
[التوبة: 77] على لقاء حسابه وحكمة للضرورة الداعية الى ذلك، وبما أن هذا الإضمار على خلاف الدليل لا يصار إليه إلا مع الضرورة، ولا ضرورة في قوله: (أنهم ملاقوا ربهم) حتى يصرف اللفظ عن ظاهره أو تضمر هذه الزيادة.
وما أعجب صدور هذه السفسطة من مثل الفخر الرازي على علو كعبه ورسوخ قدمه في العلم، ولكن الهوى يعمى ويصم، وأعجب ما في الأمر الاجتراء البين على تفسيره لقاء الله بإدراكه مع توفر الأدلة العقلية والنقلية على استحالة إدارك ذات الله سبحانه، وكفى بقوله عز وجل:
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار
[الأنعام: 103] نصا صريحا في الموضوع، وإذا لم تكن في ذلك حجة فليس يصح في الأذهان شيء، وتتابع التعبير بلقاء الله في مواضع مختلفة من الكتاب، حيث لا يجوز تفسيره بالرؤية عند الجميع دليل قاطع على أن له معنى سوى الرؤية، وهو لقاء الحكم أو الجزاء وحمله على هذا المعنى هو المتعين لاتفاقه مع دلائل العقل والنقل.
[2.47]
عود على بدء في خطاب بني اسرائيل المتضمن تذكيرهم بنعمة الله عليهم، ولا يعد هذا تكرارا لسابقه لأنه هناك ترتب عليه مطالبتهم بالوفاء بعهد الله والإيمان بما أنزل مصدقا لما معهم... الخ، وهنا يترتب عليه تفصيل ما أجمل هناك من النعمة، ومن شأن النفس أن تتشوف بعد ما تخبر بالشيء إجمالا إلى تفصيله كما يترتب عليه بيان ما كانوا يطوونه عن الناس من تأريخهم الأسود عبر العصور التي كانت فيها النبوات، وما كان منهم من عنت ومكابرة وشقاق.
كثرة أنبياء بني إسرائيل
وأول ما ابتدئوا به في التذكير تفضيلهم على العالمين بكثرة الأنبياء فيهم وتتابع الرسالات إليهم لإحياء النخوة في نفوسهم التي من شأنها إبعاد صاحبها عن دركات التسفل في الأمور، وبعث الشعور بالكرامة التي من الله بها عليهم ليكون باعثا على شكره والاستحياء من نقض عهده، وقد خوطبوا بذلك غب ما تقدم من وعظهم ليكون ذلك أدعى الى قبول الوعظ وهو أسلوب عجيب من أساليب التربية النفسية سبق إليه القرآن المنزل من عند الله العليم بخفايا النفوس وطوايا الطبائع، فهذا التفضيل وإن كان - في واقعة - لآبائهم فإنهم امتداد لأولئك الآباء، ومن شأن النفس أن تعتز بتليدها من الخير فتسعى إلى ضم طارفه إليه، والتذكير بكرامة الآباء وفضائلهم وفواضلهم من أنجح الدواعي لبعث عزائم أبنائهم على أن يحذوا حذوهم، ويقفوا أثرهم وكثيرا ما تحول الأصالة في الخير والعز والشرف عن التردي في دركات الشر والمهانة والفساد، وإذا كان الوعظ من شأنه أن يترك في الموعوظ أثرا نفسيا جارحا لشعوره بأن الواعظ لم يقصده بموعظته إلا لأنه لم يكن على الحالة التي ينبغي أن يكون عليها - وقد يفضي هذا الشعور إلى النفرة لما يصحبه من الإحساس بالمهانة - فإن مزج الموعظة بذكر شرف الموعوظ وعلو قدره وسؤدد محتده كفيل بأن يعفي هذا الأثر فيحول الشعور بالمهانة إلى شعور بالكرامة وإحساس بأن ما نهنهته عنه الموعظة أمر لا يليق بشرف الماضي وكرامة الحاضر.
وقد يقال إن اليهود كانوا من قسوة القلوب وتبلد الأذهان وتحجر الأفكار بحيث لا تجدي فيهم موعظة ولا ينفع فيهم التذكير، وهل أثر هذا الأسلوب القرآني البليغ في نفوسهم شيئا، أو أنهم ازدادوا عتوا واستكبارا، وإباء للحق، وتعاميا عن الحقيقة، وإخلادا إلى الباطل، وتمسكا بالضلالة.
صفحه نامشخص