جواهر التفسیر
جواهر التفسير
والجواب ان القرآن الكريم جعله الله منارا للعالمين في جميع العصور، وهو في مخاطبته لبني إسرائيل بهذا الأسلوب يرسم لنا منهاج الدعوة، ويعلمنا كيف نتعامل مع المدعوين ونصابرهم، وإن غلظ شعورهم وساء صنعهم ولم يلقونا إلا بشراسة الأخلاق وسوء المعاملة، وهذا هو مسلك الدعوة في جميع رسالات الله، وعند جميع رسله، فانظروا كيف صبر نوح عليه السلام على عنت قومه وإصرارهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وهذا فرعون الطاغية الذي نازع جبار السماوات والأرض في ألوهيته يرسل الله إليه موسى وهارون ويأمرهما أن يقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى مع ما سبق في علم الله أن موعظته لا تجدي فيه شيئا بل لا تجد مسلكا إلى نفسه التي ران عليها طبع اللؤم والفساد، وهذه أوامر الله وتوجيهاته لخاتم رسله وصفوة خلقه صلى الله عليه وسلم بأن يدأب على الدعوة ويقارع بها قومه مع قوله فيهم:
لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون
[يس: 7]على أن بني اسرائيل قد رقت قلوب طائفة منهم ونارت عقولهم فاتبعوا الحق الذي أنزل كعبد الله بن سلام رضي الله عنه، وفي أمثال هؤلاء يقول الله سبحانه:
ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون
[الأعراف: 159]، وقد قال تعالى في صفوة أهل الكتاب عموما:
الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون
[القصص: 52 - 54].
وهذا التفضيل إنما هو بما جعل الله فيهم من النبوات المتعاقبة - بحيث كانوا أكثر الأمم أنبياء - وبما منحهم الله من النعم الخارقة للعادات كفرق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، ويستبان ذلك مما حكاه الله تعالى عن موسى من قوله:
اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين
[المائدة: 20].
صفحه نامشخص