جواهر التفسیر
جواهر التفسير
واذا كانت الصلاة نفسها لا تخلو من الصبر لعدم الوفاء بحقها دونه، فإن عطفها عليه انما هو من باب عطف الخاص على العام، وقد خصصت بالذكر من بين سائر الأعمال المتوقفة على الصبر كالصوم والحج والجهاد لأجل أهميتها، لأنها عمود الدين، ولعمق أثرها في نفوس المصلين، وقد سبق شرح تأثير الصلاة النفسي والإجتماعي في تفسير بداية هذه السورة، وقدم عليها الصبر لأن مفهومه الأساسي ترك الجزع بينما مدلول الصلاة فعلي، ومن الأمثلة السائرة " التخلي قبل التحلي " أي التخلي عن النقائص والمذام قبل التحلي بالكمالات والمحامد، والإنسان لا يكون للخير أهلا، وللفضيلة خدنا حتى يتجرد من الشر والرذيلة، والذين فسروا الصبر بالصوم ذهبوا الى أن تقديمه على الصلاة لأن تأثيره في إزالة ما لا ينبغي وتأثيرها في حصول ما ينبغي - وهي عين المناسبة المذكورة من قبل - ولأن في هذا الترتيب ترقيا من الكامل إلى الأكمل وتدرجا من الشاق إلى الأشق، فإن الصوم إن توقف على الصبر لأجل منع النفس فيه عن شهوة الأكل، وشهوة الشرب وشهوة الوقاع، فإن الصلاة أدعى إليه لضرورة الإمتناع فيها من جميع الشهوات كإرسال النظر وإصغاء السمع وإطلاق الفكر وتحريك الجوارح، ولذلك كانت أقوى العوامل في إمداد النفس بالطاقات على احتمال التكاليف، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الصلاة إذا ما ضاقت عليه حلقات الأحداث.
أخرج أحمد وأبوداود وابن جرير عن حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حز به أمر فزع الى الصلاة، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" كانوا - يعني الأنبياء - يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة "
وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم اذا كدرت المصائب والأحداث صفاء نفوسهم أسرعوا الى هذا النبع الفياض فغسلوا به أكدارهم، ونقوا به فطرتهم، روى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان في سفر فنعى اليه أخوه قثم فتنحى جانبا عن الطريق واسترجع وصلى ركعتي ثم أقبل على راحلته وهو يتلو: { واستعينوا بالصبر والصلاة } ، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان أنه - رضي الله عنه - نعى اليه ابن له وهو في مسير فنزل فصلى ركعتين ثم قال: فعلنا كما أمرنا الله، فقال: { واستعينوا بالصبر والصلاة } ، وذكر بعضهم أن المنعى إليه ابنته، وقد روى مثل ذلك عن غيره من الصحابة كما روي عن جماعة من التابعين؛ ويفهم من ذلك أن السلف فهموا أن الخطاب غير قاصر على بني اسرائيل من حيث المعنى والطلب وإن يكن من حيث اللفظ مسوقا إليهم.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الصبر هنا هو الصبر على أعمال الصلاة ومطالبها، واستدل لقوله بقوله تعالى:
وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها
[طه: 132] وهو رأي واه لأن ما استدل به لا ينافي طلب الصبر في مطلق الحالات وعلى كل التكاليف، وفسر آخرون الصلاة هنا بالدعاء مع حمل الصبر على مفهومه العام، وعلى هذا فالآية من باب قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا
[الأنفال: 45]، لأن الثبات من الصبر والدعاء من جملة الذكر، وأنتم تعلمون أن حمل الألفاظ الشرعية في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على معانيها اللغوية التي نقلها الشرع عنها لا يصار إليه إلا بدليل، فحمل الصلاة هنا على الدعاء لا داعي إليه لا سيما وأن الأدلة ظاهرة - من الشرع والواقع - على أن الصلاة من أهم العوامل في الثبات على الخير والتجرد عن ضده.
واختلف في الضمير من قوله: { وإنها لكبيرة } فقيل هو عائد إلى الصلاة لأنه أقرب مذكور، وبه قال جماعة منهم القطب في الهيميان والتيسير، وقيل: عائد إلى الصبر والصلاة معا، وإنما أفرد وأنث رعاية للأغلب وهو الصلاة، ونحوه قوله تعالى:
صفحه نامشخص