460

[الزمر: 10]، وأخبر أنه سبب لاصطفاء من يصطفيه للخير من عباده، وذلك في قوله:

وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا

[السجدة: 24]، وقوله:

وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا

[الأعراف: 137]، بل أخبر أن معيته للصابرين في قوله:

إن الله مع الصابرين

[البقرة: 153، الأنفال: 46].

وذكر العلماء للصبر أنواعا وهي الصبر على الطاعة، وعن المعصية وعند المصيبة واختلفوا في مراتب فضلها، منهم من قال بأن الأفضل الصبر على الطاعة، ومنهم من قال: إن الأفضل الصبر عن المعصية، ومنهم من قال بفضل الصبر عند المصيبة، وهو بكل أنواعه مطلوب من المؤمن في جميع أحواله، وقد وعد الله عليه المثوبة، فلا داعي إلى طلب الترجيح فيما قالوه من التفضيل، وبالجملة فإن جميع الفضائل مردها إلى الصبر، وقد أجاد العلامة ابن عاشور في إيضاح ذلك حيث قال: " ومعظم الفضائل ملاكها الصبر، إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال، والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة، وكبح زمام النفس عن الإسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالا أو عما يورث نقصانا، فكان الصبر ملاك الفضائل، فما التحلم والتكرم، والتعلم والتقوى، والشجاعة والعدل، والعمل في الأرض، ونحوها إلا من ضروب الصبر ".

وإنما طولبوا بأن يستعينوا على ما أمروا به بالصبر لأن الصبر أعظم وسيلة لهم إلى القدرة على تخطي الحواجر الحائلة بينهم وبين الدخول في الإسلام وإيمانهم بالنبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن أهم هذه الحواجز تلك الأنانية المستحكمة في نفوسهم التي جعلتهم ينظرون الى شعوب العالم نظرة المتقزز المستهين، ولا يرون في غير أنفسهم أهلية لقيادة البشر الى مقامات الزلفى من الله سبحانه، وألفتهم التلاعب بآيات الله كما يملي عليهم الهوى وتقتضيه - في نظرهم - مصالحهم، وحرصهم البالغ على جمع الثراء بمختلف وسائل الاستغلال من غير تمييز بين حلالها وحرامها، وغير ذلك مما اعتادوه قرونا حتى صار جزءا من طبيعتهم المألوفة وسمة من سماتهم البارزة، وما أصعب التغلب على العادات عند من لم يتسلح باليقين ويتدرع بالصبر.

وذهب مجاهد إلى أن الصبر هنا بمعنى الصوم، وتابعه عليه من تابعه من المفسرين، وقصارى حجتهم عطف الصلاة عليه، والصلاة أنسب قرنها بالصيام، وهو قول ضعيف وحجة واهية، فإن حصر الصبر في الصوم تقييد لمطلق لفظه في بعض ما يدل عليه، وقد علمتم ضروة التقوي بالصبر لاحتمال هذه التكاليف، فلا داعي لهذا التقييد الذي لم يصدر إلا عن الوهم، وما أحوج الصلاة نفسها إلى سياح سميك من الصبر يحميها من هجمات العوارض المختلفة نفسية كانت أو فعلية، وأنى للمصلي إن لم يكن صبورا على حبس عقله وقلبه، وفكره ووجدانه، وسمعه وبصره، على ما هو مقبل عليه من ذكر الله، ومنع جوارحه عما اعتادته من التلف والحركات.

صفحه نامشخص