459

واشتهر في نقيض الجزع والتململ لما فيه من حبس النفس عما جبلت عليه من الاضطراب، وعرف بأنه حبس النفس على ما تكره، واشترط الإمام محمد عبده أن يكون معه رضى واختيار وتسليم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما قال الشاعر:

صبرت ولا والله مالي طاقة

على الصبر لكني صبرت على الرغم

وما قاله الإمام إنما هو في الصبر المطلوب شرعا، وهو الذي عرفه الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، ولا ريب أن الصبر اللغوي أعم منه فإنه قد يكون بباعث الأنفة والكبر، أو بباعث الإستحياء، أو بسبب ما في طبع النفس من قوة الاحتمال، وأرى أن الصبر الشرعي نفسه هو أعم من تعريف الإمام الغزالي لأنه قد يكون حيث لا شهوة تقاوم بالباعث الديني، وذلك كالصبر على أذى الناس بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

والصبر محمود بالفطرة، ولذلك اتفق العقلاء على أنه من حميد الخصال، وهو من الأمور الضرورية لكل حي إذ لا بد من مواجهة قساوة الحياة ولأوائها، وحسبنا أن الله ذكره في أكثر من سبعين موضعا في كتابه - كما أفاده الإمام الغزالي - وجعله من أسباب السلامة من الخسران الذي حكم به على الإنسان في سورة العصر، وبين أجور العاملين في قوله:

من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها

[الأنعام: 160]، وقوله:

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة

[البقرة: 261]، بينما قال في الصبر:

إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب

صفحه نامشخص