جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وما أكثر علماء السوء وأحبار الضلال في هذه الأمة، وما أعظم بلاءهم وأشد فتنتهم على الناس، فهم يتقمصون الدين لأجل أن يأكلوا به أموال الناس، ويرتقوا على أكتافهم إلى المناصب التي يتطلعون إليها، يأمرون الناس بالخير ولا يأتمرون، وينهونهم عن الشر ولا ينتهون، يتباكون في مواعظهم ولا يبكون، كل همهم جمع حطام الدنيا ونيل ما يشتهونه من ملذاتها، والارتقاء إلى أوج مناصبها ليست في نفوسهم على حرمات الله غيرة، ولا لدينه حمية، يتجاذبون الدنيا كما تتجاذب الكلاب الجيف، ويغار بعضهم من بعض إذا نال منها نيلا كما تغار الضرة من ضرتها إذا استأثرت عليها بمودة الزوج أو عطائه، ويتقربون إلى الحكام بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، وإبطال الحق، وإحقاق الباطل، تتقلب فتاواهم بين عشية وضحاها بحسب ما يملي عليهم الهوى، ويقتضيه رضى ساداتهم الذين يؤثرون طاعتهم على طاعة الله.
وإن دعوا يوما الى الحق أو أرشدوا إلى الهدى ناقضت أعمالهم أقوالهم، وكذبت أحوالهم دعوتهم، ورأى الناس فجوة سحيقة بين ما هم فيه وما يدعون إليه، فبقوا حائرين بين اتباع القول أو الاقتداء بالعمل، فلا تلبث دعوتهم أن تتطاير هباء في الفضاء، ولا يكون لها أي أثر في نفوس ساميعها، بل كثيرا ما تكون دعوة هؤلاء الحق الى الحق أعمل المعاول في هدم صرحه لأن الفجوة بين القول والعمل تجعل الناس يستخفون بالدعوة من اساسها إذ لا تقف سخريتهم عند الداعية بل تتجاوزه إلى ما يدعو إليه فيصبح أثر دعوته عكسيا، فلربما ظن الناس أنه لم يرد بدعوته إلا شغلهم بما يأمرهم به والاستئثار بما ينهاهم عنه، كما لو نهى عن أكل الربا وكان آكله، أو حذرهم من الرشوة وعرف عنه الارتشاء، أو حض على ملازمة الجماعة وهو لا يأتي المساجد.
أما الدعوة النافعة التي تحول الناس من الضلال الى الهدى ومن الفساد إلى الصلاح، فهي الدعوة التي يصدقها فعل الداعية، ويترجمها واقعه، ويزكيها إخلاصه، واذا لم يتفاعل الداعية مع دعوته فكيف يتفاعل معها غيره؟ وهل أمكن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أن يخرجوا الأمم الضالة الحائرة في أرجاء الأرض مما كانت فيه وعليه من الغي والإنحراف والفساد والظلمات، الى الرشد والاستقامة والصلاح والنور - في ذلك العصر الذي لم تكن توجد فيه وسائل إعلام ولا دور نشر - إلا بتجسيد ما كانوا يدعون إليه من الحق، ويبينونه من الهدى في واقع أنفسهم بحيث كانوا صورة حية ومثالا واقعيا للإيمان العميق والإسلام الخالص، وبهذا أخذ الناس يتسابقون إلى تلبية هذا النداء، واتباع هذه الحق.
لقد خبر أولئك الصحابة رضوان الله عليهم ومن كان على هديهم الدعوة فعرفوا أنها دين وعقيدة وتضحية وفداء وبذل وعطاء، ليست حرفة ولا صناعة، فبذلوا كل ما في وسعهم من جهد مال ووقت في سبيلها، وكانوا أحرص ما يكونون على دعوة أنفسهم أولا، فلم يكونوا يتساهلون فيها أو يتهاونون في محاسبتها.
وقد أدركوا قيمة الدعوة من خلال معرفتهم بقيمة ما يدعون إليه، والهدف المنشود منها، فرأوا الحياة بجانبها رخيصة، فلم يكن أحدهم يتردد في التضحية بحياته من أجلها، وقد سجل لنا التاريخ من مآثرها التابعين وتابعيهم - بله الصحابة - ما تتطأطأ أمامه الرؤوس وتخضع الرقاب، وتمتلئ به النفوس إعجابا كقصة سلمة بن سعد رضي الله عنه الذي خرج من موطنه بجنوبي الجزيرة العربية ليلتحق بمدرسة جابر وأبي عبيدة بالبصرة، وعندما عرض عليه أبو عبيدة - رحمه الله - الاتجاه نحو بلاد المغرب لنشر دعوة الحق لم يتردد في الاستجابة لذلك بل قال قولته المشهورة: " وددت لو ظهر هذا الأمر يوما واحدا بالمغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي " ، ولم تكن هذه القولة مجرد كلمات يثرثر بها اللسان ولكنها كانت عقيدة راسخة متمكنة في نفسه وشعورا عميقا ينبض به قلبه، وقد صدقها عمله إذ خرج بين رصد عملاء بني أمية وتحت ضغط إرهابهم الرهيب، وما كاد يطأ تراب المغرب الأدنى حتى أخذ يغشى مجتمعات أقوام لا يعرف لغتهم، ولا يتصور عاداتهم يبث بينهم دعوة الحق ويشرح لهم حقيقة الإسلام، وأخذ يواصل سيره مضطلعا بهذه المهمة إلى أن وصل إلى المغرب الأقصى.
إن هذا المنهج هو منهج رجال الدعوة وحملة الرسالة الذين لا يجعلون من دعوتهم فخا يصطادون به المال، ولا سلما يرقون عليه إلى المناصب.
أما الدعاة الذين لا يهمهم من الدعوة إلى ما يكسبونه من المال وينالونه من الجاه، فهم أحرى بالمثل الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه عنه الخطيب والطبراني من طريق جندب ابن عبدالله رضي الله عنه
" مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه "
وضرب قطب الأئمة - رحمه الله - في هيميان الزاد لهؤلاء أمثالا عدة منها أنهم كمن يشفق على غيره أن يسقط في هوة أو يقع في نار ويغفل عن نفسه وهو مشرف على ذلك. ومثلهم صاحب المنار برجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه ثم هو يسلك طريقا آخر مظلما طامس الأعلام، وكلما لقى في طريقه شخصا نصح له أن لا يمشي معه وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه، وساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم.
وإذا كان الباعث على دعوة الغير إلى الخير النصح له والإشفاق عليه فإن نفس الإنسان أولى بالنصح والإشفاق، فمن لم يبر نفسه لن يبر غيره، وكما جاء النعي على هذه الحالة في خطاب بني إسرائيل جاء في خطاب المؤمنين، فقد قال تعالى:
صفحه نامشخص