452

والأنفس جمع نفس وهي ذات الشيء وحقيقته، وتطلق على الروح كما في قوله تعالى:

الله يتوفى الأنفس حين موتها

[الزمر: 42]، كما تطلق على الدم، ومنه قول الفقهاء: " كل ميتة ذات نفس سائلة نجسة " ، وحمل عليه قول الشاعر:

تسيل على حد الظبات نفوسنا

وليس على غير الظبات تسيل

والأقرب أن تكون النفوس في البيت بمعنى الأرواح، وسيلانها هو خروجها.

واختلف في البر الذي كانوا يأمرون به الناس وينسون أنفسهم، وقد رويت عن السلف في ذلك أقوال منها ما أخرجه الثعلبي والواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين أثبت على الدين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم - فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلون، وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن اسحاق قال تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسلي، وروى عنه ابن جرير وأيضا أنه قال في هذه الآية أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، وعن السدى أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وتقواه وينسون أنفسهم، وروى معنى ذلك عن قتادة، وقيل كانوا يأمرون بالصدقات ولا يتصدقون، وثم آراء أخرى، وهي كلها لا تخرج عن التمثيل حسب الظاهر لصدق معنى البر عليها جميعا، والأظهر أنهم كانوا يدعون إلى جميع ما تقتضيه الأوامر السابقة من ذكر نعمة الله والوفاء بعهده...الخ، وعليه فالخطاب خاص بأحبارهم وإن كان ما قبله شاملا لعامتهم لأن الخطاب العام قد يوجه إلى الجميع ثم يندرج فيه ما هو خاص بفريق منهم، وعلى هذا فالناس المأمورون هم سائرهم، ويجوز أن يكون الخطاب شاملا لجميع بني إسرائيل إذ لا يبعد من عامتهم أن يكونوا يأمرون غير بني جنسهم بشيء من البر مع إهمال أنفسهم فإنهم - وإن أوغلوا في الجهل - يدرون من صنوف البر ما لا يدريه غيرهم من أهل الجاهلية بسبب مخالطتهم للأحبار، وسماعهم منهم المواعظ والدروس، وعليه فالناس مشركوا العرب أو من عدا الآمر كما يقال قم فقد قام الناس.

وهذا التوبيخ الذي يشامله التعجيب من شأنهم إن دل على شيء فإنما يدل على ما وصلوا إليه من الاستخفاف بما أوتوه من العلم، وحملوه من الأمانة، وأورثوه من الكتاب، فقد نأوا بأنفسهم عن تعاليمه وإن دعوا إلى ذلك غيرهم كأنهم غير محاسبين بما فيه ولا مسؤولين عن تهذيب أنفسهم وتربية عقولهم ووجدانهم بهداه، وهذا الذي أدى بهم الى اتخاذ ما لديهم من علم الكتاب سلما للترقي الى المناصب، ووسيلة لكسب الحطام.

تبصير العلماء بمسالك السلام والخطر

وهذا التوبيخ وإن يكن خاصا ببني إسرائيل إذا ما اقتصر على النظر إلى ألفاظه فهو شامل من حيث المعنى لكل من مشى على نهجهم واقتفى أثرهم، فعلماء هذه الأمة غير مبرئين منه إذا لم يصونوا نفوسهم عن الأسباب التي استوجب بها بنو إسرائيل هذا التقريع، والقرآن الكريم أنزله الله ذكرا للعالمين وهدى للناس أجمعين، ففي كل ما يحكيه عن الأمم، وما يقصه من أحوالهم عظة بالغة، وعبرة نافعة لأولي الألباب إذ ليس المقصود من هذا التقريع أو نحوه مما يوجهه إلى أي طائفة من الناس هجاء تلك الطائفة، وإنما مقصوده تبصير الكل بمسالك السلامة والخطر، وطرائق الهدى والضلال.

صفحه نامشخص