جواهر التفسیر
جواهر التفسير
" لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن بها، ثم آمر رجلا يؤم الناس، ثم اخالف الى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء "
ورواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي بألفاظ مختلفة، ودلالة ذلك على وجوبها على الأعيان واضحة، فلو كان وجوبها كفائيا لكانت الكفاية حاصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن يقيمها معه من المهاجرين والأنصار ولم يكن داع إلى عقوبة المتخلف عنها، وقد كفى وجوبها بهم، وقد أجاد إمام المذهب أبو سعيد - رحمه الله - في قوله: " لا يجوز أن يكون أحد يقوم بها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكثر منه ولا أولى منه، فإذا ثبت أنه لا عذر للمتخلف عنها مع قيام النبي صلى الله عليه وسلم بها وأصحابه لم يجز غير ذلك لأنه لا يكون أحد أقوم منه بها ".
ولو كانت سنة مؤكدة أو مرغبا فيها لما استدعى تركها مثل هذه العقوبة الصارمة التي قد يترتب عليها هلاك الأنفس مع الأموال، وللقائلين بخلاف هذا الرأي اعتراضات:
أولهما: أن التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية.
وأجيب بأن التحريق يفضي الى القتل وهو أخص من المقاتلة، وبأن المقاتلة، إنما تشرع فيها إذا تمالأ الجميع على الترك.
ثانيها: أنه يستنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها.
وأجيب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وأضاف إلى ذلك الحافظ ابن حجر بأنه لا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين، على أنه من المتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدعه أصحابه رضي الله عنهم يقوم بهذه المهمة منفردا، فما المانع من تدارك هذا الواجب بمن يكون معه من أصحابه؟
ثالثها: لو كانت فرضا لقال حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة لم تجزئه صلاته لأنه وقت البيان.
وأجيب بأن البيان كما يكون بالتنصيص يكون بالدلالة، وكفى بقوله صلى الله عليه وسلم
" لقد هممت "
صفحه نامشخص