443

والقول الأول - وهو وجوبها على الأعيان - هو الذي اطمأن إليه قلبي وسكنت إليه نفسي، واعتمدته في العمل والفتيا، واقتصرت عليه في مجال الدعوة، وذلك لإعتضاده بكثير من الأدلة، منها هذا الأمر في هذه الآية بأن يركعوا مع الراكعين، وقد علمتم أن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى أن المراد به إقامة الصلوات في الجماعات، والأمر للوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة.

ومنها قول الله تعالى:

يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون

[القلم: 42 -43]، فقد قال غير واحد من التابعين إنه خاص بالمتخلفين عن صلاة الجماعة من هذه الأمة، حتى أن بعضهم كان يقسم على ذلك.

ومنها قوله:

وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم

[النساء: 102]، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفسير العملي لما في الآية، ووجه الاستدلال بذلك على وجوب الجماعة أمران:

أولهما: أن مواقفة العدو مدعاة لتخفيف التكاليف واسقاط الواجبات أو تأخيرها لئلا تجتمع على المسلمين مشقة الجهاد والعمل ولذلك اشتد النبي صلى الله عليه وسلم على الذين لم يأخذوا برخصة الفطر عام الفتح حتى قال فيهم: " أولئك العصاة أولئك العصاة " ، فلولا أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان لما شرعت في هذا الموقف الحرج ولحصلت الكفاية بمن يقيمها من المسلمين في غير ميادين المعارك.

ثانيهما: مشروعية اكتفاء كل واحدة من الطائفتين ببعض الصلاة وترك جانب منها مع أن الجانب المتروك مشتمل على الكثير من الواجبات التي لا تتم دونها في سائر الأحوال، فلولا وجوب المحافظة على الجماعة لما كان لهم أن يتركوا ما هو فرض منها، فإن بإمكانهم أن يصلوا فرادى بالتناوب صلاة كاملة مع الاحتياط التام في مواجهة العدو.

ومنها هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بيوت المتخلفين عنها وهو مشهور، فقد أخرج الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب - رحمه الله - عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

صفحه نامشخص