441

ولا منافاة بين هذه الروايات بنص بعضها على خمس وعشرين درجة، وبعضها على سبع وعشرين، وأخرى على بضع وعشرين، لاختلاف الفضل باختلاف الأحوال، كالقرب من المسجد والبعد عنه، وانتظار الصلاة قبل حضورها، أو الوصول إلى المسجد عند إقامتها، وإدراكها كلها أو بعضها، وكثرة الجماعة وقلتهم، وتفاوت الأئمة في الفقه والورع والخشوع، وغيرها من الأمور التي تقتضي التفاوت في الأجور.

واختلفت الأمة في حكمها، قيل إنها فرض عين وهو مروي عن جم غفير من الصحابة رضوان الله عليهم حتى أني لم أجد رواية عن أحدهم بخلافه، ومما روي عنهم في ذلك ما أخرجه أحمد عن الإمام علي كرم الله وجهه قال: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ، قيل: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان " ، وأخرجه عنه عبدالرازق، ورواه الإمام الربيع - رحمه الله - من طريق ابن عباس مرفوعا ما عدا السؤال والجواب، وقد جاء مرفوعا في رواية عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان وجبار عند الدارقطني.

وأخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعه ولا جماعة. فقال: إن مات على هذا فهو في النار؛ وذكر ذلك أصحابنا في كتبهم الفقهية كالوضع، وأضافوا إليه أن السائل بقى يتردد شهرا على ابن عباس يسأله عنه ويجيبه بأنه في النار.

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لأن تمتلئ أذن ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع النداء ولا يجيب.

وروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادي بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم - وفي رواية لكفرتم - وما من رجل يتظهر فيحسن الطهور ثم يعمد الى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنها بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.

وهذا القول من ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا يعكس رأيه الفردي في صلاة الجماعة وإنما يجسد موقف الصحابة رضي الله تعالى عنهم منها، فقد كانوا يدأبون عليها حتى أنهم كانوا يعدون التخلف عنها سمة من سمات النفاق الذي ينزهون عنه أنفسهم، وقد بلغ بهم الحرص على الجماعة والرغبة في التنزه عن سمات النفاق أن أحدهم كان - وهو مريض - يخرج إليها متوكئا على رجلين يتمايل بينهما، وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أنهم رضي الله تعالى عنهم قد استقر في نفوسهم وجوبها على الأعيان، وهذا هو قول أكثر سلف الأمة، وبه قال عطاء والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحدثوا الشافعية كابن خزيمة وابن المنذر وأبي ثور، وهو قول للشافعي نفسه كما في شرح المهذب وغيره، وحكى وجوبها الكاساني في بدائع الصنائع عن الحنفية من غير أن يفصل كونه وجوبا عينيا أو كفائيا غير أن الإطلاق يدل على العينية، وحكى العيني في شرحه على البخاري المسمى بعمدة القاري عن القدوري في شرحه على الهداية - وهو من أمهات الفقه الحنفي - أن مشايخ الحنفية يقولون بوجوبها، وهو متقضى ما حكاه العيني عن بعضهم أن تركها بغير عذر يوجب التعزير، ويأثم الجيران بالسكوت عن تاركها حتى قال بعضهم لا تقبل شهادته، وهذا القول هو الذي يفهم من كلام البخاري، حيث ترجم في صحيحه بقوله: (باب وجوب صلاة الجماعة)، وروى بعد ذلك من الحسن تعليقا أنه قال: ان منعته أمة عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها، وهذا الذي علقه عن الحسن رواه عنه الحسين بن الحسن المروزي بإسناد متصل صحيح، كما ذكره ابن حجر والعيني في شرحيهما على الصحيح ونص هذا المروي عن الحسن أنه قال في رجل يصوم - يعني تطوعا - فتأمره أمه أن يفطر قال فليفطر ولا قضاء عليه وله أجر الصوم وأجر البر، قيل فتنهاه أن يصلي العشاء بجماعة، قال ليس ذلك لها هذه فريضة.

والقول بوجوبها على الأعيان هو الذي اعتمده إمام المذهب أبو سعيد - رحمه الله تعالى - في زياداته على الاشراف لابن المنذر ويفهم من كلامه أنه قول أصحابنا أو أكثرهم. وهو الظاهر من كلام الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله - في جوهره حيث قال:

لم يعذر المختار خير البشر

ابن أم مكتوم ضرير البصر

بل قال فيه أجب النداء

صفحه نامشخص