439

[مريم: 55]، وحكى عن المسيح عليه السلام قوله:

وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا

[مريم: 31].

معنى الركوع

والركوع معروف وأصله طأطأة الرأس وحني الظهر، ويطلق على الذلة وخسة المنزلة كما في قول الشاعر:

ولا تعاد الضعيف علك أن

تركع يوما والدهر قد رفعه

وهو من أركان الصلاة، والركوع الشرعي هو وضع اليدين على الركبتين مع حني الظهر حتى يستوي مقدمه ومؤخره، وهو معنى ما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وفي حديث أبي حميد الساعدي " إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره " ، ورأى جماعة من المفسرين أن المراد بالركوع هنا الصلاة، وهو من باب تسمية الكل بالجزء كما تسمى بالقيام وبالسجود، وقيل: إن صلاة اليهود لا ركوع فيها فلذلك أمروا به لئلا يفهموا من قوله: { وأقيموا الصلاة } الأمر بإقامتها حسب عادتهم، ويرى صاحب المنار أن الأوامر الثلاثة مرتبة في الذكر حسب ترتيب مراتبها، فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة الله تعالى لأنها روح العبادة والإخلاص له، ويليها إيتاء الزكاة لأنها تدل على زكاة الروح وقوة الإيمان، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة فرض للتذكير بسابقيه، وما هو بعبادة لذاته وإنما كان عبادة لأنه يؤدى امتثالا لأمر الله تعالى، وإظهارا لخشيته، والخشوع لعظمته، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند الله شيئا وإن عدة أهل الرسوم كل شيء.

وذكر أبو حيان أن في هذه الجمل - وإن كانت معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبا - ترتيبا عجيبا من حيث الفصاحة وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم ثم رغبهم - بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم - في الإيفاء بالعهد ثم أمرهم بالخوف من نقماته، ان لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان، وأمر بالخوف من العصيان، ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمرا مخالفا لما في أيديهم لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال الى المخالف، ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم تعالى باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل وعن كتمان الحق فكان الأمر بالإيمان أمرا بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركا للإضلال، ولما كان الضلال ناشئا عن أمرين إما تمويه الباطل حقا إن كانت الدلائل قد بلغت المستتبع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين " بلا تلبسوا " و " تكتموا " ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصل الإيمان وإظهار الحق بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إذ الصلاة أأكد العبادات البدنية، والزكاة أأكد العبادات المالية، ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له تعالى مع جملة الخاضعين الطائعين، فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم وما بينهما تكاليف اعتقادية وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله على سائر الكلام.

الاستدلال على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان

صفحه نامشخص