جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ثانيهما: أنهم لم يكونوا أول كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقد سبقهم إلى ذلك كفار العرب من قريش وغيرهم.
وأجيب عنهما بالعديد من الأجوبة، منها: أن المراد بقوله: { ولا تكونوا أول كافر به } تأكيد حثهم على السبق إلى الإيمان فإن الإيمان والكفر نقيضان، فإذا لم يكونوا كافرين كانوا مؤمنين، وقد دلت قرائن السياق على أن مطلق الكفر قبيح ولا يصح اقراره خصوصا عند من توفرت لديه دواعي الإيمان كبني إسرائيل، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وكانوا يعرفون نعوت النبي الموعود به ويتطلعون إلى بعثته بكل لهفة وشوق، فهم أحق - لما اختصوا به - أن يكونوا سابقين إلى الإيمان به فور ما يصل اليهم علمه، وهذا من باب ما يسمى بالكناية التلويحية، وذلك لانطواء التركيب على غرضين، النهي عن الكفر والدعوة إلى الإيمان، إذ الجملة المعطوفة مقررة لمضمون الجملة المعطوفة عليها وهو طلب الإيمان بجانب مدلوها الصريح وهو النهي عن الكفر.
ومنها أنه يراد به التعريض بكفار قريش وغيرهم ممن بادر الدعوة بالتكذيب، ومعنى ذلك نهيهم أن يكونوا في عدادهم، وسوغ ابن عاشور أن يكون هذا هو مراد الزمخشري في تسويغه كون المعنى " ولا تكونوا مثل أو كافر به ". ومنها أنه أريد به النهي عن مبادرتهم بالتكذيب والكفر، لأن الأولية من لوازها السبق إلى الشيء كما في قوله تعالى:
قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين
[الزخرف: 81] وعليه فالأولية ليست على حقيقتها، ونهيهم عن المبادرة إلى الكفر به يستدعي تأملهم فيه لأنهم لو تأملوه لأدركوا حقه بما سبق عندهم من علم الكتاب.
ومنها أن الأولية على حقيقتها وإنما نهوا أن يكونوا أول من يكفر من أهل الكتاب أو بعد الهجرة، لأن السورة أول ما نزل في المدينة.
وأقوى هذه الأجوبة أولها، ولا بأس بثالثها، لما عهد في الكلام البليغ من استعمال هذا الاسلوب للغرض المشار إليه فيه، والضمير في " به " عائد إلى الموصول في قوله: { مآ أنزلت } ، وأجيز عوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الموصول في قوله: { لما معكم } ، والوجه الأول هو الصحيح لعدم سبق ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الكلام سيق لأجل ما أنزل إليه وهو القرآن لأجل ما معهم، وإن كان كفرهم بهذا المنزل يعد كفرا بما معهم لأنه مصدق له، فمحافظتهم على التصديق بما معهم تقتضي الإيمان بما أنزل إليه صلوات الله وسلامه عليه.
وقد سبق ذكر الإشتراء وإنما يعرض سؤالان في قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }:-
أولهما: أن الأصل في البيع والشراء دخول الباء على الثمن دون المثمن، لأن المثمن هو الغاية والثمن وسيلة إليه، ومن شأن الباء أن تدخل على الآلة، كقول القائل ذبحت بالسكين، وكتبت بالقلم، واشتريت بالدراهم والدنانير .
ثانيهما: تسمية ما يأخذونه في مقابل الآيات ثمنا مع كونه المقصود الحقيقي عندهم، فيناسبه أن يكون مثمنا.
صفحه نامشخص