433

والجواب عن الأول أن ادخال الباء على الآيات لأنهم - لحماقتهم - عدوا الآيات أهون العوضين، فاتخذوها وسيلة لما يطمحون إليه من مكاسب الدنيا، سواء كانت أموالا يقتنونها أو مناصب يتبوأونها، وعن الثاني أن تسمية ما يأخذونه في مقابل الآيات ثمنا للتعريض بهم أنهم مغبونو الصفقة فقد بذلوا النفيس وأخذوا الرخيص، فالمال والجاه ومناصب الدنيا كل منها متاع فان وعارية مستردة، ويشترك فيها الناس أبرارا كانوا أو فجارا، أما آيات الله فهي الكنز الذي لا يفنى والثروة التي لا تبلى إذا ما حوفظ عليها بالإيمان والعمل، ولذلك وصف الثمن بالقلة ولا يستدل بذلك على جواز أخذ الثمن الكثير في مقابل آيات الله، أو بجانب نعيم الآخرة، فقد قال أصدق القائلين:

فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل

[التوبة: 38]، فلو كانت الدنيا تبرا والآخرة ترابا لما كانت الدنيا - مع فنائها - شيئا يذكر بجانب الآخرة، التي لا انصرام لها، فكيف والدنيا نفسها أهون من التراب والآخرة أغلى من التبر.

علماء الأمة أحق بالاتباع

وليس هذا النهي خاصا ببني اسرائيل وإن كان الخطاب موجها إليهم، فعلماء هذه الأمة مطالبون كذلك بأن لا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، بل هم أحق بهذه المطالبة لأنهم شهداء على الناس، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد عليهم، وقد أكرموا بإنزال الكتاب المعجز الخالد المهيمن على ما قبله من كتاب على نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فكل منهم ضليع بأمانة هذا الكتاب ومسؤول عن القيام بأدائه رسالته والمحافظة عليه، وأن يكون ذلك خالصا لوجه الله سبحانه، وهو يعني أنهم مطالبون بأن يكونوا مخلصين في العلم والعمل معا، ولا يجتمع ذلك مع اتخاذ الكتاب وما فيه وسيلة لغرض شخصي ومنفعة عاجلة، وقد شدد العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، بل شددوا كذلك في أخذها على تعليم العلم، وعدوا ذلك من اشتراء الثمن القليل بآيات الله، وقد كانت هذه هي طريقة السلف غير أن من جاء بعدهم من الأخلاف رأوا أن هذا التشديد يفضي الى تعطيل تعليم القرآن وتعليم العلم لاستلزامهما تفرغ من يقوم بهما من الأعمال، فلذلك ترخصوا في أخذ الأجرة عليهما بالمعروف. والتشديد أولى في أخذ الأجور على العبادات كالأذان والإمامة لا سيما الامامة في الفروض، وقد كان السلف حريصين على أن تكون أعمالهم خالصة لوجه الله لا يشوبها قصد منفعة مادية ولا معنوية، وإنما تطلع الناس إلى الدنيا وكثرة اشتغالهم بها وتهاونهم بأمر الدين أفضت بهم إلى عدم المبالاة فتهافتوا على الأجور على العبادات حتى قل من يداوم على الأذان أو الإمامة من غير أن يكون له على ذلك أجر، وأفضى الحال ببعضهم إلى رفض الإمامة أو الأذان إذا علم بانقطاع المدد أو لم يكن مستوثقا من استمراره، وهذا إن دل على شيء فإنما دلالته على ضعف الوازع الديني، وانحسار مد الإيمان، فعلى الناس أن يراجعوا نفوسهم ويدركوا أن الدين ليس يصح اتخاذه وسيلة للدنيا، فهو أجل من ذلك، بل يجب أن تكون الدنيا سخرة لأجله.

الأمر بالتقوى

واختتمت هذه الآية بأمرهم بالتقوى في قوله: { وإياي فاتقون } كما اختتمت التي قبلها بقوله: { وإياي فارهبون } وليس في ذلك تكرار لأن التقوى وإن استلزمت الرهبة فهي مستلزمة معها تجنب ما يؤدي إلى الأمر المرهوب والإتيان بما يقي منه إذ الرهبة انفعال نفسي قد لا يصحبه عمل ولا يقترن به ترك بينما التقوى هي اجتناب لمساخط المرهوب بفعل مأموره وترك منهيه، وكل واحد من الفاصلتين أنسب بما تقدمها، ففي الآية السابقة ذكروا بنعمة الله وطولبوا بأن يفوا بعهده ليفي بعهدهم، وفي هذا ما يدعوا إلى رهبتهم من قطع النعمة عنهم وعدم الوفاء بعهدهم اذا لم يفوا بعهده؛ وأما في هذه الآية فقد طولبوا بالإيمان وحذروا من الكفر ونهو أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وذلك يستلزم فعلا وتركا، فكان فصلها بالأمر بالتقوى أنسب.

وقيل إن الخطاب في تلك الآية لعامتهم فلذلك فصلت بالأمر بالرهبة لأنها تكون في العوام كما تكون في الخواص، والخطاب في هذه الآية لخاصتهم وهم العلماء، فلذلك فصلت بالأمر بالتقوى، لأن التقوى لا تكون إلا مع العلم بما يتقى، وقيل: قدم الأمر بالرهبة لأنها وسيلة للتقوى، فمخافة الله في النفس طريق إلى اتقائه بإتيان أمره واجتناب نهيه.

[2.42]

هذه الآية - بما فيها من جمل - معطوفة على مجموع ما تقدم من قوله: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم }...الخ، ففي الآيتين السابقتين خصوصا في قوله: { ولا تشتروا } تحذير من الضلال، وفي هذه تحذير من الإضلال، والإضلال لا ينشأ إلا عن الضلال، كما أن هدى الغير لا يكون إلا بعد هدى النفس.

صفحه نامشخص