جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[آل عمران: 187]، وبنو إسرائيل داخلون في هذه العهود الثلاثة، فهم من بني آدم الذين أخذ عليهم العهد الفطري، ويدخلون في عهد النبيين لأن الأمم تبع لأنبيائها فيه، وهم من ضمن الذين أوتوا الكتاب، وقد كان بينهم كثير من الأحبار الذي لا مناص لهم عن تبيينه إلا بمخالفة أمر الله وقطع عهده.
وقد رويت عن السلف روايات شتى في تفسير عهد الله وعهدهم، والظاهر أنها من باب التمثيل لجنس العهدين، ولا تعد أقوالا مختلفة، وإن ذكرها أبو حيان على أنها أقوال وأوصلها إلى أربعة وعشرين قولا، منها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عهده ما أمرهم به، وعهدهم ما وعدهم به، وروي عنه أن عهده ما ذكر لهم في التوراة من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهدهم ما وعدهم به من الجنة إلى غيرها من الأقوال التي لا يعد خلافها أو خلاف أكثرها إلا لفظيا فقط، والصحيح أن عهده تعالى عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه، وعهدهم هو إدخالهم الجنة إن وفوا بذلك، وهذا هو الذي صححه القرطبي وعزاه إلى جمهور العلماء، وهو مشتمل على أكثر الأقوال المروية. ويدل عليه قوله تعالى:
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار
[المائدة: 12].
وقد سبق تفسير العهد، وإضافته تصح أن تكون لآخذه ومعطيه، ويحتمل أن تكون كذلك في كلا العهدين في الآية.
وتقديم المعمول على العامل ثم اعادة ضمير المعمول في قوله: { وإياي فارهبون } لأجل تأكيد حصر الرهبة في الله وحده بحيث لا يكون غيره مرهوبا عندهم، وذلك من مقتضيات صدق الإيمان، واستشعار عظمة الخالق تعالى، وأمرهم برهبته سبحانه بعد أمرهم بذكر نعمته والإيفاء بعهده لأن النفوس مجبولة على التفريط ما لم تراقب بوازع من الإيمان، ومخافته تعالى هي أجدى ما يزعها عما فيه مضرتها، فهي سور العمل الصالح ووقاية الإنسان من التردي في المهالك.
مطالبة بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن
ثم أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم، ويراد به القرآن كما يراد بما معهم التوراة والإنجيل وغيرهما من صحف أنبياء بني إسرائيل، ومن المعروف أنهم شوهوها جميعا بما أضافوه إليها من الأكاذيب وألصقوه بها من التأويلات الفاسدة غير أنهم كانوا لا يزالون يحتفظون بشيء من نصوصها غير محرف ولا مبدل وإن اختلط بالأكاذيب المفتراه التي أدخلوها فيها، ومن ذلك ما دل على توحيد الله عز وجل وعلى التبشير ببعثة خاتم النبيين وعلى مكارم الأخلاق، وقد جاء القرآن الكريم مصدقا لذلك مع تفنيده لكثير من مزاعمهم وتبيينه كثيرا مما أخفوه من محتويات كتبهم، وبشائر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بينة في تلك الصحف رغم ما تراكم عليها من غبار الأباطيل الذي أخذ يستر كثيرا مما فيها من الحقائق بتضاعفه عبر العصور، وسوف أذكر إن شاء الله جانبا من نصوص هذه البشائر في الموضع المناسب من التفسير.
وبعد مطالبتهم بالإيمان بما أنزل حذرهم من الكفر بقوله: { ولا تكونوا أول كافر به } وذلك لتأكيد هذه المطالبة، فإن مما تقرر عند أكثر الأصوليين أن الأمر المطلق لا يدل على الفور لا على التراخي، وقد يتعلل متعلل إذا ما أمر بأمر لم يقيد بالفورية ولا بزمن معين بأنه سيأتي بالمأمور به ولو بعد حين، فاستؤصلت شبهة الاعتذار عندهم بالنص على نهيهم عن ضد ما أمروا به، والنهي يقتضي الفورية، وعموم الأزمان والأحوال إذ لو أتى المنهى في أي وقت بما نهى عنه لعد ذلك خروجا عن طاعة الناهي وتحديا له، ويبحث هنا في أمرين:
أولهما: أنهم نهوا أن يكونوا أول كافر به ولم ينهوا عن مطلق الكفر به، وقد يظن من ذلك أنهم إذا كانوا مسبوقين بالكفر من قبل غيرهم فهم فيه معذورون.
صفحه نامشخص