428

وأرى أن التناسب بين أي القرآن أمر لا ينبغي إنكاره، فهو ماثل جلي لأولي البصائر، وإنما يجب على من بحث فيه أن يقنع بما انكشف منه له، وأن يقف عما غمض عليه،

وفوق كل ذي علم عليم

[يوسف: 76]، والتكلف فوق ما يسنح للفهم هو الذي لا يحمد، وبحسبنا أن نعتقد أن القرآن أبلغ ما وصل إلى الأسماع ووعته الألباب، وأن لطائف تعبيره أكثر من أن تحويها الأفهام، فإذا ما اتضح لنا تناسب بين بعض آياته أو أكثرها ولم يتضح لنا في البعض فما علينا إلا أن نقف عند حد ما وصلت إليه أفهامنا، وأن لا نتجاوز ذلك إلى تحمل ما لم نحمله، وادعاء ما لا نعلمه.

وإذا أدركتم ذلك اتضح لكم أن القائلين بعدم تناسب كل ما في القرآن لا يعنون بالنظر في وجه الربط ما بين هذا الخطاب الموجه إلى بني إسرائيل والقصة التي قبله، أما القائلون بالتناسب فلم يألوا جهدا في بيان وجه ذلك، وأظهر الوجوه هو أن الله تعالى دعا الناس أولا الى عبادته في قوله: { ياأيها الناس اعبدوا ربكم }.

..الخ، وذكرهم نعمته عليهم ولفت أنظارهم إلى آياته في خلقهم وخلق ما حولهم، وبين لهم آية صدق نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام الذي بعثه إليهم، وقرن تبشير الذين آمنوا بوعيد الذين كفروا، وكشف عن حالة كل طائفة في تلقي ما يأتي من قبله من الأمثال، ونعى عليهم كفرهم به مع سبحهم في خضم نعمه وإشراق آياته في كل شيء، ثم أورد عليهم قصة أصل البشر وأنهاهم ببيان مصيرهم في دار الجزاء حسبما يكون منهم في دار العمل، فكان جديرا بعد ذلك خطاب بني إسرائيل - وهم طائفة من الناس الذين خوطبوا أولا - لما عندهم من علم الكتاب الذي يميزهم عن سائر الناس ويمكنهم من التفرقة بين الحق والباطل، والتمييز بين الهدى والضلال، فهم بموجب ذلك أحرى بأن يسبقوا إلى الإيمان وأن يذعنوا للحق، ولأن الله نشر فيهم من الهدى وبسط عليهم من النعمة ما لم يكن في غيرهم ، فقد تتابعت فيهم الرسالات وتعاقبت بينهم النبوات، وكل ذلك يحفز أولي الفكر الثاقب والبصائر النيرة إلى الإيمان والطاعة.

وذهب صاحب المنار إلى أن هذا الكلام لا يزال في الكتاب، وكونه لا ريب فيه، وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره، وبنى ذلك على أن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ، وخلاصة القول أنه تعالى ذكر الكتاب ووصفه أنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس فيه، فابتدأ بالمستعدين للإيمان، المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين، ثم ضرب الأمثال لهذا الصنف الأخير، ثم طالب الناس كلهم بعبادته، ثم أقام البرهان على كون الكتاب منزلا من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدى المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاج الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين وهو إحياؤهم مرتين، وإماتتهم مرتين، وخلق السماوات والأرض بمنافعهن، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمزايا التي كانوا مختصين بها، والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتظامه في سلكه وحسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم.

وفي خطابهم ببني اسرائيل - مع إمكان خطابهم بغيره من الأسماء والألقاب - ما علمتم من بعث عزائم الخير في نفوسهم لو كانوا لذلك أهلا لأن من شأن الإنسان الرغبة في أن يحذو حذو أبيه فيما كان عليه من مجد وخير، ففي مواطن القتال يثار حماس المقاتلين بتذكيرهم ببطولات آبائهم الماضين، وفي مقام البذل والعطاء يذكر أصحاب الكرم بأيادي آبائهم الأسخياء فينادون منسوبين إليهم، وهكذا في مقام الدعوة إلى الخير والنداء إلى البر يحسن تذكير الأخلاف بالأسلاف ، ومن وسيلة ذلك نسبتهم إليهم في ندائهم.

والمراد بالنعمة التي أنعم الله بها عليهم جنس النعم، فتدخل فيها أصناف الأيادي التي بسطها الله لهم، ونعمه تعالى أكثر من أن تحصى، منها ما هو مشترك بين بني اسرائيل وغيرهم من الناس، ومنها ما هو خاص بهم، ومنها ما هو خاص بغيرهم، والجنسية مستفادة من الإضافة لأنها تأتي لما تأتي له " أل " من المعاني.

والنعم المشتركة ما بينهم وسائر الناس هي خلقهم وخلق أصولهم، وخلق الأرض ومنافعها لهم، وتسخير ما في السماوات لأجلهم، وإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم لتتبين لهم مسالك الرشد، وليحذروا طرائق الضلال، إلى غيرها من سائر النعم التي لم يخص الله بها طائفة دون أخرى من الناس، وأما النعم الخاصة ببني إسرائيل فهي إنجاؤهم من فرعون وآله بعدما كانوا يسثومونهم سوء العذاب، ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وفلق البحر لهم لينجوا من شر عدوهم فرعون، وإهلاكه وقومه بإغراقهم في البحر، وكثرة الأنبياء فيهم، وتظليل الغمام لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم إلى غيرها من النعم التي ذكرت في هذه السورة وفي غيرها.

وفي تذكير بني اسرائيل بنعمة الله التي أنعمها عليهم - مع كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير حق، وإشاعتهم الفساد في الأرض - دليل على صحة قول المعتزلة ومن وافقهم كالباقلاني والرازي من الأشاعرة على أن نعمة الله غير محصورة في المؤمنين، وهذا الرأي الذي اعتمدته في تفسير الفاتحة الشريفة مع ذكر أدلته وأدلة الرأي الآخر، وحسبكم شاهدا على صحته هذا الامتنان وقوله تعالى:

صفحه نامشخص