427

[2.40-41]

بعد الحديث عن آدم وقصة استخلافه في الأرض وما تبع ذلك من بيان منقلب طائفتي المهتدين والضالين بعد حياتهم الدنيا بحسب حالهم فيها يوجه الله سبحانه هذا الخطاب الطويل إلى بني إسرائيل مقرونا بتذكيرهم النعمة التي أنعمها عليهم، وبيان عثراتهم وسوء معاملتهم لأنبيائهم، وغلظة طبائعهم، وقسوة قلوبهم، وإعراضهم عن آيات الله، وتحريفهم ما أنزل، وكفرهم بكثير من أحكام الكتاب الذي بأيديهم الى ما وراء ذلك مما دأبوا عليه في سلسلة تأريخهم عبر أحداث شتى، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام ومعناه صفي الله، وفي ندائهم بهذا الاسم تذكير لهم بأنهم أحرياء بأن يكونوا أسبق الناس إلى الإيمان وأسرعهم إلى الإحسان، خصوصا، وأنهم قد تسلسلت فيهم النبوات وتتابعت في أجيالهم الرسالات، وبسط الله لهم صنوف نعمه، وكانت لديهم بقية من علم الكتاب يمكنهم بما التمييز بين الهدى والضلال، وكانوا بذلك على علم بمبعث خاتم النبيين، بل كانوا على انتظاره بفارغ الصبر ليرفع عنهم كابوس الذل، ويحطم عنهم قيود الهوان، وإنما صرفهم عنه الحسد الذي مردوا عليه، والأنانية التي عرفوا بها، فكانوا مصدر بلاء عليه وعلى أمته، وعقبة كؤودا في طريق دعوته، فكثيرا ما حاولوا صرف الناس عن الإيمان به، وشوهوا الحقيقة للذين ينشدونها، وظلوا على اتصال بكل الفئات المحاربة للإسلام، كما أظهر بعضهم الإسلام بقوله لأجل الوصول إلى ما يريدونه من إشعال نار الفتنة في صفوفه وبين أبنائه، وهؤلاء هم الذين عرفوا بالمنافقين.

وبنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت مصدر هذا البلاء هم يهود المدينة وما حولها، وهم جزء من سائر اليهود، فطبائعهم هي طبائعهم، وسلوكهم هو سلوكهم، وقد انطوى خطابهم على الترغيب تارة، وعلى الترهيب تارة، وعلى التذكير أخرى ليكون ذلك أدعى إلى ارعوائهم وأرجى في إصلاح نفوسهم الفاسدة، وعلاج أدوائهم المتأصلة غير أن أمراضهم كانت أعصى على العلاج، وأبلغ من الدواء، فلم يؤمن منهم إلا قلة قليلة قدروا على مغالبة طبائعهم، ومقاومة نفوسهم، فكانوا للحق حجة وللاسلام قوة، وهم عبدالله بن سلام رضي الله عنه ومن نهج نهجه.

وأما سائرهم فقد شرقوا عندما ظهر هذا النبي من ولد اسماعيل عليه السلام ولم يكن من ولد اسحاق، وهم كانوا يطمعون أن لا تخرج النبوة عنهم ما يرونه لأنفسهم من المزايا فأدى ذلك الى تكذيبهم بما كانا يرددونه من قبل من بشائر إظلال زمنه ودنو إشراق صبحه، وإلى تأويل نصوص التبشير به في أسفارهم من توارة وغيرها، رغم أن صفاته فيها واضحة جلية لا يماري فيها لبيب.

التناسب بين آيات القرآن وسوره

وقد يعرض هنا تساؤل عن وجود مناسبة رابطة بين ما تقدم من قصة آدم، وهذا الخطاب الموجه إلى بني إسرائيل.

وجوابه أن العلماء مختلفون في وجود التناسب بين آيات القرآن وسوره، وفي اجداء البحث عن ذلك، لأن القرآن نزل في ظروف مختلفة، ولأغراض شتى في أزمنة متطاولة، فقد نزل في ظرف ثلاث وعشرين سنة، منه ما نزل في السلم، ومنه ما نزل في الحرب، ومنه ما نزل في الحضر ومنه ما نزل في السفر، ومنه ما نزل في حال ضعف المسلمين، ومنه ما نزل بعد قوتهم، ومنه ما كان أمرا ونهيا، ومنه ما جاء تبشيرا وانذارا، ومنه ما هو ناسخ، ومنه ما هو تقرير، ومنها ما هو قصص وأخبار، إلى غيرها من الأغراض التي نزل لأجلها، ولم يراع في ترتيب سوره وآياته ترتب نزوله، ولا ترتب هذه الأغراض، فرأت طائفة تعذر وجود التناسب مع ذلك، وعدوا طلبه من باب طلب المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار، والملاح والحادي، ومن أصحاب هذا الرأي الإمام الشوكاني في فتح القدير، وقد بالغ في الإنكار على القائلين بالتناسب بين آيات القرآن جميعها حتى عد ذلك فتحا لأبواب الشك، وتوسيعا لدائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، وعلل ذلك بأن هذا الجاهل إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا الأمر لا بد منه وأن القرآن لا يكون بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للإرتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة، وعد الشوكاني الاشتغال بأمثال هذه البحوث تضييعا للأوقات، وإنفاقا للساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس، وجعل مثله مثل الذي يعنى بكلام بليغ من البلغاء فيحاول إيجاد التناسب بين خطبه التي ألقاها في مقامات مختلفة، ولأغراض متباينة، ورسائله التي أنشأها لأسباب شتى، أو إلى شعر شاعر فيجتهد في البحث عن المناسبة بين قصائده التي تكون تارة مدحا، وتارة هجاء، وحينا نسيبا، وحينا رثاء، واذا كان طالب ذلك في كلام البشر يعد راكبا للأحموقة فأجدر من طلبه في كلام الله أن يكون - في رأي الشوكاني - أشد حماقة، وأكثر غباوة على أن كلام الله أنزله بلسان عربي مبين، لم يخرج به عن مسالكهم، ولم يتجاوز أساليبهم.

وذهب آخرون إلى القول بالتناسب، وقد عنوا عناية فائقة ببحثه حتى أن منهم من أفرد هذا الموضوع بالتأليف كالعلامة برهان الدين البقاعي الذي ألف في ذلك كتابا سماه " نظم الدرر في تناسب الآي والسور " ، وقد سلك هذا المسلك غير واحد من المحققين، منهم الإمام ابن العربي الذي ذكره أنه عني بشرح التناسب بين آي القرآن في تفسير كبير له يجد له أهلا فطواه عن الناس، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وأبو حيان في البحر المحيط، والإمامان عبده، ومحمد رشيد رضا في المنار، والإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير، وقد اختلف هؤلاء هل التناسب بين آيات كل سورة، أو انه حتى بين السور نفسها بحيث تكون فاتحة كل سورة مرتبطة بخاتمة ما قبلها؟ وهذا هو الذي درج عليه البقاعي، وبه قال أبو حيان ناقلا له عن أحد شيوخه في تفسيره لأول البقرة، وهو الذي يفهم مما ذكرته عن شيخنا العلامة الإمام أبي اسحاق اطفيش - رحمه الله - في تفسير فواتح السور؛ وممن قال بالتناسب بين آيات السورة من غير تعرض لتناسب السور نفسها الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير.

وقد أضاف بعض المتأخرين - كالعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم - إلى التناسب ما هو أدق منه وهو النظام بحيث تكون كل آية ليست مرتبطة بما قبلها وما بعدها فحسب، وإنما هي وقعت في مكانها الملائم بحيث يتخلخل البيان لو أنها قدمت عليه أو أخرت عنه.

وهؤلاء جميعا بنوا آراءهم على أن ترتيب القرآن توقيفي كما يفهم من بعض الروايات، وأنه كان مرتبا قبل نزوله وإنما كان ينزل ما ينزل منه على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الوقائع والأحداث، ومثل ذلك - ولله المثل الأعلى - مثل القصيدة الواحدة المشتملة على معان شتى، وأغراض متعددة غير أنها تلاحمت ألفاظها بترابط معانيها، ويمكن الاستشهاد ببيت أو شطر منها فيما يلائمه من المقامات .

صفحه نامشخص