421

[القمر: 55] في مقابل قيد نفسه عن بعض شهواتها في فترة قصيرة لا توازي شيئا بجانب حياة الأبد، ومن هنا كان تغابن الناس الحقيقي بحسب اختلاف حظهم من التمسك بالدين فهم وإن تفاوتوا في الغنى والفقر، وفي الراحة والبؤس، وفي طول الأعمار وقصرها، وفي امتداد الأفكار وانحصارها، وفي قوة الأبدان وضعفها، وفي الجاه والسلطان إلى غير ذلك مما يعد التفاوت فيه ربحا أو خسارة ، فإن ذلك لا يساوي شيئا بجانب التفاوت في التمسك بأهداب الدين، والاعتصام بحبل التقوى.

وفي إضافة الهدى إليه تعالى إيماء إلى أنه لا يأتي إلا منه، ولا يتلقى إلا عنه، سواء كان من كتبه التي أنزلها، أو من رسله الذين بعثهم، أو من العقل الذي نوره. واتباع الهدى سبب الأمان من الخوف، والوقاية من الحزن، فالمجتمع المتمسك بهدى الله مجتمع آمن مستقر لا خوف عليه مما يتهدد المجتمعات الضالة الفاسدة من عواقب سيئة، والفرد المتبع للهدى يبعث يوم القيامة آمنا مطمئنا تتلقاه الملائكة بالبشائر، وتطمئنه بالفوز والسعادة، فلذلك قال تعالى: { فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة:38].

معنى الخوف والحزن

والخوف انزعاج النفس لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن تألمها لفوات محبوب أو لتوقع فواته، فهو يكون على ما وقع في الماضي، أو ما يتوقع في المستقبل، وهو مأخوذ من الحزن - أي ما غلظ من الأرض - فكأنه هم غليظ، وخصه الأكثرون بالواقع دون المتوقع، ويرده قوله تعالى حكاية عن عن يعقوب عليه السلام:

إني ليحزنني أن تذهبوا به

[يوسف: 13]، ولا داعي إلى تأويله، واختلف المفسرون فيما يراد من الخوف والحزن المنفيين هنا عن اتباع الهدى على أقوال أبلغها أبو حيان في البحر المحيط إلى اثني عشر قولا، وأكثرها متداخل، وهي كلها ترجع إلى أن أنهم لا يحزنون على فائت ولا يخشون مما يستقبلهم، وهذه الحالة إنما هي في الحياة الآخرة طبعا عندما تتلقاهم الملائكة،

ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون

[فصلت: 30-31]، أما في الدنيا فالمؤمنون أشد خوفا لعدم أمنهم من مكر الله، ولمعرفتهم بعظم الهول وجلل الخطب، فلذا كانوا أشد مراقبة للنفس ومحاسبة لها، ويدل على ذلك ما وصفهم الله به في كتابه كقوله:

إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون

[المؤمنون: 57] إلى قوله:

صفحه نامشخص