جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وبناء على هذا التوجيه، فالقول بالتأكيد لا يتنافى مع ما ذهبت إليه في المراد من إعادة الأمر.
المراد بالهدى بعد الهبوط
و " إما " مركبة من " إن " الشرطية و " ما " التأكيدية، والأصل في " إن " أن تكون في الشرط غير المقطوع به بخلاف " إذا " ، وقد أوثرت عليها للإيماء إلى أن إتيان الهدى ليس واجبا على الله وإنما هو مجرد فضل منه تعالى غير أن اقترانها ب " ما " ودخول نون التوكيد على فعلها ينفيان شك السامع في عدم تحقق شرطها.
وقد سبق معنى الهدى في تفسير الفاتحة وأول هذه السورة، واختلف في المراد به هنا، روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية أنه الأنبياء والرسل والبيان، وبنى عليه ابن جرير أن الخطاب هنا لغير آدم بل هو لذريته لأنه نفسه كان من الرسل، مع أن ابن جرير نفسه ذكر ان الرسل إلى الأنبياء هم الملائكة وإلى سائر الناس هم الأنبياء، وذهب قوم إلى أن المراد بالهدى الكتب، وقال آخرون هو القرآن خاصة، وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذان القولان - وإن صححهما ابن كثير - يردهما أن الخطاب لآدم وحواء وجميع ذريتهما، وليس خاصا بهذه الأمة وحدها، وقد خلت رسل جاءت بكتب من عند الله تعبدت الأمم السالفة بما فيها من الهدى والبيان.
واستدل القطب - رحمه الله - في الهيميان للقول بأنه الرسل بقوله تعالى:
يابني ءادم إما يأتينكم رسل منكم
[الأعراف: 35]، ولا أرى وجها للاستدلال بالآية لأنها في بني آدم بينما الخطاب هنا لأدم وحواء وإنما تدخل فيه ذريتهما بالتبعية وقد علمتم أن آدم كان نفسه رسولا.
وأولى الأقوال بالصواب هو أن الهدى كل ما تقوم به حجة الله على خلقه سواء كان عقلا أو وحيا؛ فالعقل حجة في معرفة وجود الله، ومعرفة صفاته الذاتية، كالوحدانية، والقدم والبقاء، والعلم والقدرة؛ والوحي حجة في ذلك وفي سائر المعتقدات، وفي أحكام الله المتعلقة بأفعال العباد ولا يبعد أن يكون الهدى هو الدين الذي تعبد الله به خلقه، فإن المتمسك به آخذ بحجزة هدى الله، ومستمسك بالعروة الوثقى منه، والمفرط فيه أصفر الكفين من كل خير، وانتظام حياة الفرد والمجتمع تتوقف عليه، فللنفس الإنسانية مطالب شتى، منها روحية ومنها جسدية، ومنها قلبية ومنها عقلية، والتأليف بين هذه الجوانب، والتنسيق بين هذه المطالب لا يتم إلا بعقيدة روحية يسري أثرها على كل شيء في الإنسان، ومصالح أفراد هذا الجنس متشابكة وشؤونهم متداخلة، فإذا لم يهيمن عليهم وازع من الدين أدى بهم الأمر إلى النزاع والشقاق، والتدافع والتنافر، ومن هنا كان الدين ضرويا للسعادة والنظام، إذ العقل وحده لا يكفي لأن يسد مسده، فإن العقول متباينة باختلاف المؤثرات النفسية والإجتماعية على أصحابها، فالتربية والتثقيف، والبيئة والمحيط لها أثر في تكوين الفكر وتوجيه العقل، بينما الدين فوق ذلك كله لأنه تنزيل من حكيم حميد يخضع له العقل والقلب، ويستسلم له الروح والجسد.
وقد يتصور عبيد الشهوات أن في الدين حرمانا بسبب ردعه للإنسان عن الانطلاق وراء شهواته، والواقع أن تلك هي السعادة المطلوبة والغاية المحبوبة، فإن الإنسان أذا أطلق له العنان فاتبع هواه كان ذلك أخطر العوامل في تدمير الفرد والمجتمع، فقد تقوده شهواته الى ما فيه هلاك نفسه، وفساد مجتمعه، والله لم يحرم في دينه شيئا إلا لما علمه من مصحلة لعباده في هذا التحريم، خفية كانت أم ظاهرة، عاجلة أم آجلة، وكفى سعادة أن يفوز الإنسان برضوان الله وما يترتب عليه من حياة الخلد والنعيم المقيم
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
صفحه نامشخص