419

ثانيهما: أنه تعالى أمرهما هنا بالهبوط منها، والضمير في منها عائد إلى الجنة قطعا، لأن الضمائر السابقة لا تعود إلا إليها، فلا ينسجم البيان إذا ما فصل هذا الضمير عنها وأعيد الى السماء على أن السماء لم يسبق لها ذكر حتى يعاد إليها.

وذهب الفخر الرازي إلى أن إعادة الأمر بالهبوط لأن آدم وحواء تابا بعدما أمرهما الله بالهبوط فوقع في قلبهما انتساخ هذا المر لأنه كان بسبب الزلة وقد محتها التوبة فأعاد الله تعالى الأمر به ليعلم أنه ليس جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها وإنما هو لأجل تحقيق ما تقدم من وعده تعالى في قوله للملائكة:

إني جاعل في الأرض خليفة

[البقرة: 30].

ومقتضى رأيه أن الأمر بالهبوط ليس عقوبة على ارتكاب الخطيئة، وهو يتنافى مع قوله عز وجل لآدم وحواء تحذيرا من الشيطان:

فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى

[طه: 117] فإنه صريح في أن إخراجهما من الجنة كان بسبب تلبسهما بالخطيئة التي أوقعهما فيها الشيطان، ولا ينافي ذلك تحقق الوعد الذي وعد الله به ملائكته بنفسه هذا الهبوط فإن لله أن يرتب ما شاء من أمره على ما يشاء، وله تعالى في كل شيء حكمة.

وذهب ابن عاشور إلى أن هذه حكاية أمر ثان لآدم بالهبوط كي لا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه عند مبادرته بالتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته، ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى، وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في الأرض، وهو ما أخبر به الملائكة، وفيه إشارة أخرى وهي العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات، وأما تحقيق آثار المخالفة - وهو العقوبة التأديبية - فإن العفو عنها فساد في العالم، لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل، فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة، فإن الصبي إذا لوث موضعا وغضب عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه، فالعفو يتعلق بالعقاب، وأما تكليفه بأن يزيل بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه، ولذا لما تاب الله على آدم رضى عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا، ولكنه لم يصفح عنه في تحقق أثر مخالفته، وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء ظنه.

ورأيه يتفق مع رأي الفخر كما هو واضح من كلامه غير أنه أضاف إلى ذلك الإشارة التي ذكرها.

وذهب الزمخشري وجماعة إلى أن هذا تأكيد للأمر الأول وحمله ابن عاشور على أن تسميته تأكيدا ليست إلا لإعادة نفس الأمر الأول بلفظه، وإلا فقد ترتبت على هذه الإعادة فائدة لا تتم بدونها، وهي ارتباط البيان بعضه ببعض وتوضيح مراده للسامع فلو لم يعد هذا اللفظ نفسه لتوهم أن الخطاب في قوله فإما يأتينكم مني هدى للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن، فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام مع استقلاله في كل مرة بفائدة، ولذلك لم يعطف " قلنا " على ما قبله لما بينهما من شبه كمال الإتصال.

صفحه نامشخص