422

والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون

[المؤمنون: 60]، وقد وصف الله بالخوف الأنبياء - وهم صفوته من خلقه - ومن ذلك قوله في زكريا وآله

ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين

[الأنبياء: 90]، وكذا الحزن، فإن من شأن المؤمن أن يحزن في الدنيا بسبب شعوره بالتقصير في طاعة الله، وهو يرى نفسه دائما مسبوقا بالمجدين في الطاعة والمسارعة إلى الخيرات كما أنه يحزن - كما يحزن غيره - لما يعتريه من مصائب الدنيا ونوائبها.

وظاهر كلام الإمام محمد عبده في المنار أن الخوف والحزن منفيان عن أهل الهدى في الدنيا والآخرة ونصه: " فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الله يخلفه فيكون كالتعب في الكسب لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع ".

وقد علمتم أن المؤمن في الدنيا لا يبارحه الخوف لأنه الواقي من الخوف في الآخرة اذ لا يجمع الله على عبد خوفين، وفي الآيات القرآنية الواصفة للمؤمنين بالخوف والآمرة به، وفي أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ما يكفي دليلا على أن الخوف من الله - كرجائه تعالى - من أهم واجبات الدين، فبهما يستقيم أود النفس، وتنزجر عن المعاصي، وتسابق إلى الخيرات، وإذا كان النبيون أشد خوفا من الله كما ثبت في الحديث، فما بالكم بسائر المؤمنين على أن خوف كل أحد إنما هو بقدر علمه وإيمانه، فكيف يقال إن المؤمنين لا يعتريهم الخوف في الدنيا؟ وأما الحزن فهو أمر فطري جبلت عليه نفوس البشر وإن تباينت فيه بحسب اختلاف أمزجتها، وهو يعتري البر والفاجر، كيف وقد أصاب الأنبياء، وهم أكمل البشر وصفا، وأعظمهم صبرا، وأشدهم جلدا، فقد وصف الله يعقوب عليه السلام بقوله:

وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم

[يوسف: 84]، وحكى عنه قوله:

إني ليحزنني أن تذهبوا به

[يوسف: 13]، وقال لصفوة الأنبياء وخاتم المرسلين:

صفحه نامشخص