جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقد بني على ذلك منهجه في تفسير ما هنا فقال: " وأما التمثيل فيما نحن فيه منها - أي القصة - فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرئي ومأكول ومشروب ومشموم في ظل ظليل وهواء عليل، وماء سلسبيل كما قال تعالى في القصة من سورة طه:
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى
[طه: 118-119] ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم آب القبيلة الأكبر على القبيلة، فيقال كلب فعلت كذا، ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا، يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.
ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وفسرت بكلمة الكفر، وفي الحديث تشبيه المؤمن بشجرة النخل.
ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة، وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان، أمر تكوين، وأمر تكليف.
والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه:
وقد خلقكم أطوارا
[نوح: 14]، فأولها طور الطفولية، وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائما في جنة ملتفة الأشجار يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى: { اسكن أنت وزوجك الجنة } ، وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورا وإناثا هكذا، وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير، والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وأن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني - وهو طور التمييز - هما المراد بقوله تعالى:
وهديناه النجدين
[البلد: 10]، ووسوسة الشيطان وإذلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوى فيها داعية الشر، أي إن إلهام التقوى والخير أقوى في فطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له، ووسوسته إليه، والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.
صفحه نامشخص