جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق، والتجائه إليه في الشدة، وتوبة الله عليه عبارة عن هدايته إياه الى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء ".
ثم قال: " فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة، طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص، وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء، وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإنسان في أفراده مثلا للإنسان في مجموعه - قال - كأنه تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة قويم الوجهة، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون، وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم فثار النزاع وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني، وهو معروف في تأريخ الأمم، ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر ووزن الخير والشر بميزان النظر والفكر وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله ".
هذا ما قاله هنا وهو لا يختلف عما قاله سابقا في الملائكة وإبليس، والدافع إلة كل ذلك واحد، وقد سبق بيانه، وإذا تأملت هذا الشرح الذي جاء به وعرضته على نصوص الكتاب في القصة وجدته بعيدا عن مدلولها؛ على أنه قد ناقض نفسه في بضع ما جاء به، كقوله: " إن الإنسان - لولا داعية الشر المعبر عنها بإبليس وامتناعه عن السجود - لآتى عليه زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، فإنه لا يتفق مع تفسيره للملائكة بما تقدم من كونهم قوى طبعية منبثة في كل شيء من هذا الكون، وإلا فما معنى تحول الإنسان إليها مع أنه نفسه منطو عليها؟ وهل يعد ذلك انتقالا إلى الأعلى أو إلى الأدنى؟
وبالجملة فإن كلامه - لعدم انبنائه على أسس ثابتة من مفاهيم الدين - كفيل بهدم بعضه بعضا، وهكذا كل ما كان ناشئا عن فكر الإنسان غير المستقر،
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
[النساء: 82]، وإني لأعجب كيف يمكن القول بأن المراد بآدم الجنس البشري مع تحذير الله لهذا الجنس من فتنة الشيطان - كما صنع مع آدم وزوجه - في قوله تعالى:
يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ
[الأعراف: 27]، ولعمري لئن ساغ مثل هذا التأويل لم تبق للألفاظ العربية مدلولات خاصة تستقر عليها الأفهام، وهذا يعني فتح باب الشك والاحتمال الواسع في كل ما جاء به القرآن من وعد ووعيد وأمر ونهي، وقصص وأخبار، هذا من ناحية اللفظ.
أما من ناحية المعنى فإنه يتعذر أن يكون المراد بآدم النوع الإنساني، وأن يكون أمره بسكنى الجنة عبارة عن مرحلة الطفولة البريئة التي يمر بها كل إنسان وهو خالي البال مطمئن النفس بعيد عما يعانيه الكبار من مشاق وأتعاب، ذلك لأن الناس مختلفون غير متفقي الحال في أي طور من أطوار الحياة، فتجد أحدهم وهو في صغره يتفيأ ظلال الراحة، ويتقلب على بساط النعيم حتى إذا ما بلغ طور الرشد لفحته الدنيا ببؤسها وكشرت له الأيام عن عصل أنيابها، وفرته الحوادث بأظفارها، بينما تجد غيره لا يذوق في طفولته الراحة وإن اشترك مع غيره من الأطفال في براءتهم الفطرية، فلا يكاد يفتح عينه على الدنيا إلا ويرى أيامها عابسة أمام ناظريه فيقضي مرحلة طفولته كلها في بؤس وفقر وعرى ومسغبة وذل وخوف، وكرب وبلاء حتى إذا ما ناهز الإحتلام وبلوغ سن الرشد تنفس الفرج فانزاحت الشدائد فتذوق لذة العيش، ولامس برد النعيم، وماذا عسى أن تكون حالة الأطفال الذين ينشأون في أزمنة الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل، وتستلب الطارف والتليد، فلا يسمعون إلا أصوات الانفجار وقصف المدافع وهدير الطائرات، ولا يشاهدون إلا جثث القتلى المتمزعة أشلاؤها، وحطام المساكن المقفرة من أهلها، ولا يعرفون ما هو الأمن والاستقرار في الحياة ولا يقتاتون إلا بعد جهد ونصب، أفيقال إن طفولة هؤلاء جنة ونعيم؟ أولا يمكن أن يكون من بين هؤلاء من تبتسم له الدنيا وتغدق عليه عطاءها، وتوسع له فضاءها بعد اجتيازه مرحلة صباه؟
صفحه نامشخص