جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ولفظة " تاب " ومشتقاتها دالة على الرجوع، وكذا أخواتها كآب وثاب، وتوبة العاصي إلى ربه رجوعه إلى طاعته واستقالته العثرة، واستغفاره مما وقع فيه، وتوبة الله عليه عوده بالمنة والإحسان إليه ولما في ذلك من معى العفو عديت التوبة الصادرة من الله تعالى بعلي بخلاف توبة العبد فإنها رجوع محض فلذك عديت بإلى الدالة على الغاية، فإن غاية ما يلتمسه العبد من ربه أن يحقق توبته ويكفر حوبته.
وقد كان آدم بتوبته هذه قدوة لكل من تاب من ذريته بخلاف إبليس فو قدوة للمصرين، ولينظر الإنسان لنفسه أي القدوتين يختار، هل يختار الاقتداء بأبيه الذي ينتمي إليه أو إلى الشيطان العدو المبين الذي لا يسعى إلا إلى إردائه في الجحيم؟ وكما وقع آدم في الخطيئة فإن ذلك أمر لا بد منه في ذريته، وإنما التلافي للأمر باتباع مسلكه في التوبة، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، والله تعالى ينادي عباده بأن يتوبوا ويبين لهم سعة فضله وعظيم رحمته ويحذرهم من الإصرار على العصيان، والاستخفاف بسوء عواقبه، ومن ذلك قوله:
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين
[الزمر: 53 - 58].
وللتوبة أركان أهمها الندم وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" التوبة الندم "
وذكر بعض العلماء أن التائب لا بد له من علم وحال وفعل، فالعلم إدراكه وقوعه في المعصية ومضرة العصيان، والحال وجدانه في نفسه الألم الناشئ عن تحسره على ما وقع فيه، والفعل هجرانه ما كان عليه من المعصية إلى الطاعة، وأضاف بعضهم إلى ذلك إشفاقه، لأنه لا يدري هل وفى بشرائط توبته أولا؟ كما أنه لا يدري عن مستقبله هل سيوفق فيه للطاعة أو يصاب بسهم الخذلان فيتردى في مهاوي العصيان كما سبق عليه ذلك؟
وقوله: { إنه هو التواب الرحيم } تذييل منطو على التعليل فإن قوله: { إنه هو التواب } تعليل لقوله: { فتاب عليه } ، والتواب على وزن فعال بمعنى كثير التوبة، فهو مشعر بأن الله يتوب على عبده كلما تاب العبد إليه من أعماق قلبه، وبإخلاص سريرته وإن تكررت المعصية منه، ومن ناحية أخرى فإن التائبين بعد المعصية كثرة كاثرة، والله يتوب عليهم جميعا، فناسب ذلك لفظ " التواب " الدال على كثرة صدور التوبة منه تعالى، وفي " الرحيم " تعليل لمدلول التواب، فإن سبب كثرة توبة الله على عباده رحمته بهم، وفي هذا تنبيه على أن توبته تعالى على العاصين من خلقه هي محض فضل وإحسان منه سبحانه، وليست واجبة عليه كما يقول أهل الاعتزال.
هذا وقد شذ الإمام محمد عبده في تفسيره لهاتين الآيتين فقد صبغه بلون من تلك الأفكار التي تولدت في ذهنه نتيجة العراك بين نزعتي التجديد والتقليد، وقد بدأ أولا بتقرير المراد مما تقدم في هذه القصة على هذا المذهب الذي اختاره فقال: " إن إخبار الملائكة يجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره، ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما، هو تصوير لما في استعداد الانسان لذلك، وتمهيد لبيانه أنه لا ينافي خلافته في الأرض، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الانسان لعلم كل شيء في هذه الأرض واندفاعه في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة، وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم، عبارة عن تسخير هذه الأراوح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثال التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.
.. "
صفحه نامشخص