414

وهذه الكلمات إما أن تكون معبرة عن التوبة والندم ألهمها الله آدم وزوجه وعليه فهي ما ذكره الله عنهما في سورة الأعراف من قولهما:

ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

[الأعراف: 23]، وإما ان تكون كلمات وجهها الله إليهما لإيقاظهما من غفلتهما، وتذكيرهما بعد نسيانهما، وعليه فهي ما ذكره الله من قوله لهما:

ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين

[الأعراف: 22]، ويرجح الأول ذكر توبة الله على آدم في هذه الآية معطوفة على تلقي الكلمات بالفاء التي تقتضي الترتيب والتعقيب، ومن المعلوم أن التوبة حصلت له من غب إتيانه بهذه الكلمات المعبرة عن توبته إلى ربه، ولقائل أن يقول إن توبة الله عليه جاءت مع توبته هو إلى الله تعالى التي استلهمها من إدراكه لخطيئته وسماعه عتاب ربه، فلا إشكال في عطف توبته سبحانه عليه على عتابه الذي وجهه إليه بالفاء الترتيبية التعقيبية، على أن دلالة { تلقى من ربه } على ما صدر من ربه إليه أوضح منها على ما صدر منه إلى ربه.

ويرى ابن عاشور أن التعبير بتلقي هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له، فعلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ، بل كلمات عفو ومغفرة ورضا، وهي إما كلمات لقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالبا المغفرة، وإما كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك في العقوبة. قال: " ومما يدل أنها كلمات عفو عطف فتاب عليه بالفاء إذ لو كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب ".

ومن فهم أن الكلمات هي قوله تعالى: { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } الآية، يسوغ له أن يقول: إن هذا التوبيخ لما كان باعثا إلى التوبة وهاديا للنفس إلى صوابها بعد خطئها، فهو أمر نافع لأن المصلحة مترتبة عليه.

وقد أكثر الناس في الحديث عن هذه الكلمات وإيراد ما نسب إلى السلف عما يراد بها، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكلمات هي قوله: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسبق إلي رحمتك قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم ".

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أنه قال في الكلمات هي لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، إني عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم؛ وأخرج نحوه البيهقي في الشعب وفي الزهد عن سعيد بن جبير، وكذا ابن عساكر عن ابن عباس والديلمي في مسند الفردوس من طريق علي كرم الله وجهه مرفوعا بسند ضعيف، وعبد بن حميد عن عبد الله بن زيد موقوفا، والروايات عن السلف في ذلك كثيرة متضاربة، وبعضها غير خارج عن كونه من شواذ التأويلات، والأولى الرجوع إلى القرآن نفسه، والتعويل على ما جاء فيه، ولذلك لا أرى العدول عن الوجهين السابقين، على أن الوجه الأول مروي عن جماعة من السلف، فقد أخرجه الثعلبي وابن المنذر عن ابن عباسن ورواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، وعبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وروى مثله بعد بن حميد عن الحسن، والضحاك، ومجاهد، ورواه أيضا ابن أبي حاتم عن مجاهد.

ولم تذكر توبة حواء في هذه السورة اكتفاء بذكر توبة آدم لأن القصة سيقت من أجله، وقد ابتدئت به، ومن ناحية أخرى فإن المرأة كثيرا ما يطوى ذكرها ويقتصر على ذكر الرجل لأجل سترها وبيان تبعيتها له، وقد ذكرت توبتهما معا في سورة الأعراف.

صفحه نامشخص