412

والعداوة المقصودة في قوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36] هي عداوة الشيطان للإنسان عند من قال بدخول إبليس في الخطاب بقوله: { اهبطوا } ، ومن قال بدخول الحية أيضا قال بأن وصف العداوة شامل لها، فهي وإبليس عدوان لآدم وحواء، وهما عدوان لهما كذلك، وقد علمت أن الصحيح بأن الخطاب لآدم وحواء بالأصالة ولذريتهما بالتبعية، فالمقصود بالعداوة إذا ما يكون بين ذريتهما من تنازع وتقاتل على متاع الحياة الدنيا، وقد بدأت هذه العداوة تتجسد في سلوك الإنسان منذ أن قتل قابيل هابيل، ولا زالت مستعرة نارها والشيطان هو الذي يسعرها بمكائده، فلا يفتأ يوغر الصدور ويثير الأحقاد ويبعث الضغائن حتى تظل الإنسانية في شقاء مستمر، وتتقطع ما بينها الصلات التي أمر الله برعايتها، وغير خاف أن ذكر هذه العداوة في معرض الحديث عن إغواء إبليس لآدم وزوجه فيه إشارة إلى أن منشأها مكائد إبليس العدو الأول للإنسان، وفي ذلك تعريض بوجوب أخذ الحذر من سروره والتفطن لمكائده بين الناس.

وإفراد لفظ عدو - مع أن العداوة ليست بين فرد وفرد بل هي بين أكثر أفراد الجنس البشري غالبا - لوجهين:

أحدهما: أن بعضا وكلا مفردان لفظا وإن دلا على الجمعية، فيجوز فيهما رعاية لفظهما فيفردا، ورعاية معناهما فيجمعا.

ثانيهما: أن لفظ العدو يشترك فيه الواحد والجمع كما في قوله سبحانه:

هم العدو فاحذرهم

[المنافقون: 4].

والمستقر إما أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار، أو ظرفا ميميا - أي مكان الاستقرار - وعلى هذا الأخير ففي العبارة تجريد كما في قوله تعالى:

لهم فيها دار الخلد

[فصلت: 28]، فإن الأرض نفسها هي مكان الاستقرار، واختلف في هذا المستقر هل هو خاص بالحياة أو هو في الحياة وبعد الممات؟ فالاستقرار في الحياة على ظهر الأرض، وبعد الممات في بطنها، وعطف المتاع عليه يدل على أن المراد بالمستقر ما كان في الحياة فإن الاستمتاع لا يكون إلا فيها.

وكلمة متاع تطلق على كل ما يستمتع به سواء كان نظرة سارة أو صوتا محبوبا، أو رائحة طيبة، أو لباسا، أو طعاما، أو سكى، أو أي شيء آخر مما فيه منفعة ظاهرة أو باطنة، ويشهد لذلك ما روي عن سليمان بن عبد الملك أنه وقف على قبر ابنه أيوب بعدما دفن فقال:

صفحه نامشخص