جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ومهما يكن المراد " بما كانا فيه " من الجنة ونعيمها، أو من الطاعة وأنسها، فإن التعبير الموصول يفيد التفخيم كما هو في قوله تعالى:
فغشيهم من اليم ما غشيهم
[طه: 78]، وفيه تلويح إلى ما لحقهما من الخسران بسبب هذا الإخراج، وفي استحضار ذلك لمن تلا الآية أو تليت عليه موعظة وذكرى، وترسيخ لعداوة الشيطان في النفس، فإنه هو الذي جر على أصل الإنسانية هذه المصيبة فما أجدر الفروع أن تتأثر لأصلها بمعاداة الشيطان وحزبه، ومقاومة وساوسه، والحذر من إغرائه وإغوائه، والسعي الى تخييب سعيه في إضلال البشر، وقطع حبل أمانيه في إهلاكهم، وهذا أصل تربوي ناجح في إعداد النفوس لما يراد منها، إذ في تذكير الأولاد والأحفاد بمصائب الآباء والأجداد وتأصيل لكراهية من كان السبب في هذه المصائب، وقد اتبع القرآن هذه الطريقة التربوية في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى:
يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ
[الأعراف: 27].
هذا وقد استدل بأمرهما بالهبوط من قال أنها جنة الخلد - كما سبق ذكره - كما استدل به الجبائي القائل بأنها جنة في السماوات؛ والذين قالوا إنها كانت في الأرض حملوا هذا الهبوط على الانتقال من مكان إلى آخر كما في قوله تعالى:
اهبطوا مصرا
[البقرة: 61].
وقد حشر المفسرون أقوالا متعدد معزوة إلى الأسلاف في تحديد أماكن هبوط كل من آدم وحواء وعدوهما إبليس، وأضافوا إليهم الحية، ولست أراها إلا من أكاذيب أهل الكتاب التي علقت بأذهان كثير من المفسرين فشانوا بها جمال التفسير، وإن زعم بعض المحدثين كالحاكم صحة نسبة بعضها إلى بعض الصحابة.
والأمر بالهبوط موجه - في رأي أكثر المفسرين - إلى آدم وحواء وإبليس، وعليه فإن العداوة المقصودة هي ما بين آدم وحواء من جهة وإبليس من جهة أخرى، وزعم بعضهم دخول الحية معهم، وأخرج هذا ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومما ذكروه أنها كانت ذات قوائم وزينة فسلبها الله قوائمهما وزينتها ووحش منظرها بعد أن أعانت إبليس على إغواء آدم، وجعل بينها وبين الإنسان عداوة مستمرة، ولا يخفى ما فيه.
صفحه نامشخص