407

فالجواب أن تسمية ما صدر من آدم غيا وعصيانا إنما هو بالنظر إلى علو قدره وسمو رتبته، كيف وقد اختاره الله خليفة في الأرض وعلمه الأسماء كلها وفضله بتعليمها للملائكة وإسجادهم له؟ فكان حريا أن يتفطن في كل حالاته لمكائد الشيطان العدو الأول له ولذريته - لا سيما وأن الله قد حذره منه وبين له عاقبة متابعته - وأن لا يسترسل مع أماني الخلد حتى ينسى عهد الله إليه، فأي غرابة مع ذلك إن سمى الله ما صدر منه في حالة سهوه غيا ومعصية؟ وما أحسن قول من قال: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " وأي غرابة كذلك في تأديب الله إياه وابتلائه بإخراجه من الجنة لتكون في ذلك عبرة لذريته ورع عن العصيان وتحذير من مؤامرات الشيطان؟

وهذا الحديث يجرنا إلى الكلام في عصمة الأنبياء ولو بإيجاز.

عصمة الأنبياء

خلاصة القول فيها أن الأمة اختلفت، هل النبيون معصومون أو لا؟ وهل عصمتهم تبدأ مع بداية النبوة أو هي سابقة عليها؟ فذهب أصحابنا إلى أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر في حال النبوة وقبلها وهو ويتفق مع ما نسب إلى أكثر المعتزلة من أن عصمتهم من وقت البلوغ، ونسب الفخر إلى الرافضة قولهم: إنهم معصومون منذ الميلاد، وهذا هو اللائق بمقام المختصين بالاصطفاء الإلهي، وذهبت الحشوية إلى عدم عصمتهم من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى بعد إكرامهم بالنبوة، وقيل بإجازة الصغيرة عليهم دون الكبيرة ونسب إلى المعتزلة، وذهب الجبائي منهم إلى أنهم لا يقارفون الصغائر ولا الكبائر على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل، وقيل بعدم صدور ذنب منهم صغيرا كان أم كبيرا إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم، وذلك لقوة معرفتم، وكثرة أدلتهم، وقدرتهم على ما لا يقدر عليه غيرهم من التحفظ، ذكر هذا القول الفخر في تفسيره ولم يعزه إلى أحد وهو يتفق مع القول الأول كما يتفق مع التحرير الذي ذكرته قبل قليل، ولا بد من تقييد أخذهم بما يقع منهم بأنه دنيوي وليس أخرويا، وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم معصومون حال النبوة لا قبلها، ونسب هذا القول إلى أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة. قال الفخر: " والمختار عندنا - أي الأشعرية - أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة "؛ وقد أطال في استدلال لهذا الذي اختاروه بكثير من الأدلة العقلية والنقلية، ومن أراد علم ذلك فليرجع إليه في موضعه من تفسيره.

وبعض أصحاب هذا القول لا يمنعون أن يكون عصيان آدم عن عمد لأنه كان قبل النبوة بدليل قوله تعالى:

ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى

[طه: 122]، بناء على أن الاجتباء هو إلباسه رداء النبوة.

وأصح هذه الأقوال القول الأول، وأبعدها عن الصواب والحق قول الحشوية، فإن الذين اصطفاهم الله من بين خلقه بأن جعلهم وعاء لنوره وحمله لأمانته، وشهداء على خلقه هم أحق الخلق بالبعد عن سفاسف الأمور فضلا عن المعاصي، وقد دل القرآن أن طائفة من عباد الله ليست للشيطان عليها سلطان، وذلك في قوله تعالى في خطابه لإبليس:

إن عبادي ليس لك عليهم سلطان

[الإسراء: 65]، وقوله فيما يحكيه عنه:

صفحه نامشخص