جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[طه: 120]، فإن ظاهر ما في هذه الآيات أن آدم وزوجه أكلا من تلك الشجرة وهما على ذكر من عهد الله لهما، ويندرئ هذا الإشكال مع التعويل على الرأي الذي اخترته من قبل، وهو أن إغواء الشيطان لهما كان بمجرد الوسوسة كما يدل عليه قوله عز وجل:
فوسوس لهما الشيطان...
[الأعراف: 20]، وأن ما ذكره تعالى من المقاولة والمقاسمة إنما هو لتصوير تلك الحالة النفسية الكائنة من هذه الوسوسة ونتائجها في صورة الجدل المسموع بين مخادع ومخادع، فإن نفس المؤمن عندما ينفث فيها الشيطان أمرا لا بد لها من أخذ ورد حتى تدركها العناية فتنجو أو تجتاحها الغواية فتردى.
وبيان ذلك أن الشيطان - لعنه الله - ألقى في نفس آدم وحواء عليهما السلام أن تلك الشجرة من أكل منها ظل خالدا في النعيم، ومن طبيعة النفس الإنسانية حب الخلد وكراهة الفناء، فلا عجب إذا تعلقا مع ذلك بها لولا أن عهد الله كان يحجزهما عنها، ثم سعى - لعنه الله - في إنسائهما العهد بما يلقيه في صدورهما من الوساوس التي تشغلهما عنه، وفي غمرة الغفلة ألجأهما الى الأكل منها بدافع حبهما للخلد فلم يراعا إلا وقد بدت لهما سوآتهما فتذكرا عهد الله فآبا إليه بالندم والحسرة على مقارفتهما معصيته، وهذا التأويل أحسن ما يجمع به بين الآي المتحدثة عن هذه القصة وإن لم أجده مأثورا عن أحد ما أحسن ما قيل:
لئن نسيت منك عهودا سالفة
فاغفر فأول ناس أول الناس
ويؤيد ما ذكرته أن الله سبحانه أراد بقصة آدم تنبيه ذريته إلى مكائد الشيطان ووجوب احتراسهم منها وتفطنهم لها، ومن المعلوم أن إغواءه لهم لا يكون ببروزه إليهم ومشافهته إياهم، وإنما يكون بوساوسه الخادعة التي يلقيها في صدورهم فناسب ذلك أن يكون شأنه مع أبيهم كشأنه معهم.
وإن اعترض معترض بأن الله تعالى وصف آدم بالمعصية والغواية في قوله:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121]، وما ذكر في هذا التأويل يستلزم تبرئته من الغواية والعصيان لأن الجدير بحلم الله عز وجل أن لا يؤاخذ عبده بما قارفه نسيانا ، فإن النسيان ليس من كسب الناس وإنما هو أمر مفروض عليه، ومن المعلوم أنه تعالى آخذ آدم بصنيعه هذا إذا أبدى له سوأته وأخرجه من جنته.
صفحه نامشخص