404

ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

[الأعراف: 20]، وهذا الرأي هو الذي درج عليه أكثر المفسرين لا سيما المفسرون بالمأثور، ورائحة الكذب اليهودي تشتم منه، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير مع أنه من الذين يعتمدون على المأثور في تفسيرهم، وقال بعضهم إنه تحول إلى صورة دابة فدخل الجنة، وذهب آخرون بأنه استطاع أن يوسوس لهما من السماء، وبعضهم قال بأنه وقف على باب الجنة وكانا - علهيما السلام - يتجولان في نواحيها فوصلا إلى الباب فتمكن من الوسوسة لهما، إلى غير ذلك من الأقوال الفارغة من الدليل.

وأنتم تدرون أن للشياطين قوى روحية خارقة كالقوى التي وهبها الله الملائكة وإنما الفارق ما بين القوتين أن القوى الملكية خيرة والقوى الشيطانية شريرة، فلا عجب إذا تمكن الشيطان من إغواء آدم وزوجه بما ينفثه في أنفسهما من دواعي السوء، وتلك هي الوسوسة التي أخبر تعالى عنها بقوله:

فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما

[الأعراف: 20]، وإنما عبر عنها بالقول في مواضع متعددة لأنها سدت مسده، ونحو ذلك قوله عز وجل:

كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر

[الحشر: 16]، ومما يقرب ما قلته إلى العقول ما يجري في العصر الحديث من التأثير النفسير من إنسان على آخر، ولو بعدت المسافة بينهما بالمكالمة الهاتفية حتى ينام المؤثر عليه بخطاب المؤثر، وهو ما يسمى بالتنويم المغناطيسي.

واستشكل وقوع آدم في حبائل كيد إبليس بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها مع تحذير الله إياه من مكائد الشيطان وإيذانه أنه عدو له ولزوجه، وأنه يسعى إلى إخراجهما من الجنة وإشقائهما، وهذا كله من دواعي التفطن لمكائده والاحتراز من شروره، واتهامه في كل ما يصدر عنه مما يدعيه نصحا وإرشادا، وقد كان هذا الاستشكال منشأ اختلاف عريض بين المفسرين بحسب ما اتجه لكل من جواب، وقد بلغ الحال ببعضهم أن ادعى أن آدم عليه السلام لم يأكل من تلك الشجرة إلا بعدما سقته حواء الخمر فسكر، وهو منسوب إلى سعيد ابن المسيب، وروي عنه أنه كا يقسم عليه، وهو باطل من وجوه: أولها: أنه لم يثبت به نقل ولا مجال في اثبات مثل ذلك بمجرد النظر، ثانيها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يصدر منهم ما يخل بعقولهم، كيف وهم أوفر الناس عقلا، وأسماهم فكرا، وأنورهم بصيرة.

ثالثا: أن خمر الجنة لسيت مسكرة فإن الله نعتها بقوله:

لا لغو فيها ولا تأثيم

صفحه نامشخص