جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقد يقول قائل: إن آدم عليه السلام فشل في هذا الامتحان لأن الشيطان بلغ منه قصده، فقد تمكن من إنسائه عهد الله، وقدر على التأثير عليه حتى ارتكب ما نهي عنه.
والجواب أن هذا لا يعد فشلا مع تدارك الأمر بالتوبة والانقلاب من الغفلة والغي والمعصية إلى أضدادها من الذكر والرشد والطاعة، وقد أراد الله لآدم أن يكون إمام التائبين من ذريته فإنهم جميعا خطاؤون وخير الخطائين التوابون، ولهم في أبيهم آدم - الذي ثاب إليه رشده فتعجل التوبة إلى الله - أسوة حسنة، أما الذي يخلد إلى هواه ويصر على غيه ويركب رأسه في عناده لله فله في الشيطان - الذي أصر واستكبر استكبارا - أسوة سيئة.
وقد نادى الله آدم باسمه العلم إيناسا وتكريما له وإشعارا بمنزلته في ذلك العالم العلوي، والكلام معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة كما تقدم. وقيل هو من باب عطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليه جملة
وإذ قلنا للملائكة
[البقرة: 34]، والتزم أصحاب هذا القول أن قبل الجملة المعطوفة " إذ " محذوفة لدلالة السياق عليها وهو ضعيف جدا لأن حذف ما ينبغي أن يثبت من القرآن لا يتفق مع ما يتميز به من علو البلاغة وسمو الفصاحة، وذهب بعضهم القولين إلى أن المعطوف عليه " قلنا " السابقة، واعترض بعدم اتحاد زمن القولين مع استلزام هذا الرأي أن يكون القول الثاني مظروفا ل " إذ " كالذي قبله؛ وأجيب بأن " إذ " ليس مدلولها زمنا قصيرا بحسب ما يسع القول الأول فحسب بل هو زمن ممتد فيدخل في مظروفها القولان جميعا، وبناء على هذا الرأي ففي الكلام تذكير للبشر بإحدى النعم الكبرى التي من الله بها عليهم بإضفائها على سلفهم وهو آدم عليه السلام الذي بوأه دار كرامته وأباح له صنوف النعم المتوفرة فيها.
وتصدير الكلام بالنداء دال على أهمية ما سيليه مع دلالته على ما سبق ذكره.
وقوله: { اسكن } من السكنى بمعنى الاستقرار في المسكن لا من السكون الذي هو ضد الحركة لمنافاة ذلك قوله تعالى لهما: { وكلا منها رغدا حيث شئتما } فإن الأكل من حيث شاءا من الجنة يقتضي حركتهما في أرجائها، وذهب القرطبي إلى أن الأمر بالسكنى يوحي بخروجهما منها، إذ ليس في السكنى تمليك الساكن للمسكن، فلو قال قائل لأحد اسكن هذه الدار لم يدل قوله هذا على تمليكه إياها، واستظهر القرطبي من ذلك تأييد الجمهور في قولهم بعدم انتقال المسكن من ملك صاحبه إلى ملك الساكن بالسكنى ورجوعه إلى صاحبه بانتهاء مدتها؛ وفي هذا الإستدلال نظر، ومسائل السكنى وما شابهها، كالعمرى، والرقبى، والإفقار، مبسوطة في كتب الفقه.
و " أنت " ضمير فصل جيء به لتهيئة عطف الاسم البارز على الضمير المستتر في " اسكن " لعدم جواز العطف عليه دونه، وفيه نوع من التأكيد له.
والزوج مفرد الأزواج، ويطلق على الذكر والأنثى، ولا يتميز إذا أريد به الأنثى بالتاء على لغة القرآن كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى:
أمسك عليك زوجك
صفحه نامشخص