391

" ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ".

وإني أرى أن فتح هذا الباب في التأويل يوسع المجال لأصحاب الأهواء والأغراض بأن يتلاعبوا بكتاب الله كما تملي عليه أهواؤهم، حتى يتسع الخرق على الرقاع فيفقد بذلك القرآن ما اختصه الله به من هدى حيث تحجبه تأويلات الزنادقة وأقاويل المبتدعة إذ لا يبالون بلي أعناق الآيات حتى تتفق مع المفاهيم التي يهدفون إليها، وماذا يمنع - مع فتح هذا الباب - من أن يقول قائل: إن المراد بنعيم الجنة ما يخوله الإنسان في هذه الدنيا من خيراتها، وأن المراد بعقاب النار ما يكابده من عنتها وبلائها.

وبالجملة فإن تأويل الملائكة والشياطين بما ذكره الإمام محمد عبده من أبعد التأويلات عن مدلولات القرآن، بل هو مزيج من أقوال محكية عن طوائف من النصارى، وعن حكماء اليونان، فقد حكى الفخر والألوسي في تفسيريهما عن طوائف من النصارى قولهم: إن الملائكة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، وإن الشياطين هي الأنفس الخبيثة، كما نسبا إلى الفلاسفة قولهم: إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وحكى القطب في الهيميان كلا القولين وشنع على من قال بقول النصارى حيث قال: " ومن اعتقد هذا حكمنا بإشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا كذلك - إلى أن قال - فإذا قلنا إن الملائكة، تبعث على حدة، فيلزم منه أن يكونوا بنوا آدم مبعوثين بلا روح آخر أو غير مبعوثين، أو مبعوثين بأرواح غير ما كان فيهم في الحياة الدنيا، وذلك كله شرك لأنه انكار للبعث الموصوف شرعا بأنه بأرواح وحياة وأنه لا يترك منه شيء مما كان فيه في الدنيا فكيف يبعثون بدون الروح التي كانت فيهم ".

وقد يدهش الإنسان من صدور هذا التأويل عن مثل هذين العالمين الجليلين اللذين طالما حملا لواء الدفاع عن الإسلام غير أن هذه الدهشة قد تتضاءل شيئا ما عندما يتصور الظروف الحرجة التي عايشاها ، وقد سبق أن أشرت في مقدمة التفسير إلى شيء من ذلك، ولأجل المناسبة أرى أن أوضح قليلا هنا ما أشرت إليه هناك.

من المعلوم أن الإمام محمد عبده كان هو الربان الذي يقود سفينة المدرسة الإصلاحية في مصر بعدما تولى إنشاءها السيد جمال الدين الأفغاني إبان زيارته لمصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري وقد سلم زمامها بعد أن أتم إنشاءها إلى تلميذه الكبير العملاق الإمام محمد عبده، فكان يجري بها بين تيارين متعاكسين كل منهما لا يقل خطورة على الدين الحنيف؛ ويتمثل التيار الأول في مشائخ الدين الدجالين الذين ما كانوا يعرفون من الدين إلا قشورا سخيفة تنطوي تحتها على ما الدين براء منه من الخرافات والأوهام والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكانوا يلقون التأييد الكاسح من الجمهور الساذج الذي لا يعرف معنى للدين إلا أنه العادات الموروثة والتقاليد المألوفة ويتمثل التيار الثاني في الثقافة الأوربية التي وفد بها طائفة من الشباب الذين نهلوا من معارف أوروبا وهم خلو من تعاليم الإسلام فعادوا إلى بلادهم وهم ينظرون إلى الدين نظرة أساتذتهم الغربيين إليه، وهي أنه الحاجز الوحيد دون تقدم الأمم ورقي الشعوب، ويتصورونه مزيجا من التناقضات والأوهام التي يأباها العقل ويرفضها العلم، وقد رسخ في عقولهم هذه النظرة ما كانوا يسمعونه ويشاهدونه من أدعياء الدين الذين يلقبون شيوخه فكانوا يتطلعون بكل لهفة وشوق إلى اليوم الذي يقع فيه الدين الإسلامي تحت مطارق العلم الحديث والفكر الحر حتى يعود هباء منبثا كما سبق أن حل ذلك بالعقيدة النصرانية في الغرب إذ لم تلبث حتى ذابت تحت وهج العلم، وكان رجال الإصلاح يعانون من هؤلاء ومن هؤلاء، ولسان حالهم يقول: " وحسبي من أمرين أحلاهما مر " ، وقد أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الدين الإسلامي ودفع التهم التي يوجهها إليه الحاقدون والمغرضون، وإعادة الثقة به في نفوس أبنائه، كما أخذوا على عاتقهم مسؤولية تنقيته مما يشوبه من بدع المحرفين، وضلالات الدجالين، وخرافات المشعوذين، ونظرا إلى استنكار الماديين للقضايا الغيبية، ومسارعتهم إلى التكذيب بالدين بسببها، إذ لم تكن تستسيغها عقولهم القاصرة على الفكر المادي؛ كان القائمون بالإصلاح يواجهونهم في تفسير هذه القضايا بما لا يصطدم مع المفاهيم التي ألفوها، ولربما انزلقت أقدامهم في مثل هذه المسالك الصعبة كما تجده في تفسير قصة آدم هنا، ومن ناحية أخرى فإن أولئك المحسوبين على الدين الملقبين بمشائخه كانوا يتوجسون خيفة من الإصلاح وانتشاره في أوساط الناس، وكانوا يرشقون رجاله بمختلف التهم - من بينهما: الكفر المخرج عن الملة - ليثيروا عليهم الدهماء، ويقطعوا عليهم السبل فكانت نتيجة ذلك هذه الردة الفعلية التي تلمسها في رد الإمام عليهم في هذه المسألة، الذي تراه مصطبغا بصبغة انفعاله الشديد، وملتهبا بنار عاطفته المتوقدة بين جنبيه، ولو أن الطرفين اتفقا على البحث النزيه في المسألة والحوار الهادىء الهادف لم يصل الأمر - حسب رأيي - إلى ما وصل إليه.

ولست أستبعد أن يكون من دوافع الأستاذ الإمام إلى ما ذكرته عنه وما سوف أذكره إن شاء الله من التأويل البعيد لقصة آدم تفاديه للاصطدام مع النظرية الدراوينية المسماه بالنشوء والارتقاء والتي شاعت في أوساط الناس آن ذاك حتى تلقفوها بالقبول فكانت من المسلمات عندهم، ويقرب ذلك أن تمليذه السيد محمد فريد وجدي عندما أورد هذه النظرية في كتابه " دائرة معارف القرن العشرين " ذكر أنها إن ثبتت لا يتعذر التوفيق بينهما وبين ما في القرآن، ولعمري إن محاولة التوفيق بين هذا الهراء الباطل الذي أتى به الدجال اليهودي داروين وبين الحق الذي أنزله الله كمحاولة التوفيق بين الظلام والضياء، والجهل والعلم، والإفك والصدق.

وقد ثبت والحمد لله بطلان ما ادعاه داروين علميا بوسائل الحفريات وغيرها، وثبت الحق الذي أنزله الله عند خصومة الألداء الذين أصروا على محاربته، وبذلوا جهدهم لإطفاء نوره، وقد اعترف الداروينيون أنفسهم أن هذه النظرية من أساسها لم تقم على العلم، وأنها لا احتمال لها من الصحة إلا بمقدار الواحد في المليار، كما نقلت ذلك نصا عنهم مع إبطال زعمهم من كل وجه السيدة العالمة منيرة علي الغاياتي، في كتابها الذي سمته " النشوء والارتقاء ".

[2.35]

هذه مرحلة من المراحل التي مر بها أبو البشر صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه قبل أن يتم استخلافه في الأرض وينوء بأثقاله، ويتعود على تكاليفه، وقد أراد الله بإمراره في هذه المرحلة أن يعده بتربيته على الأمر والنهي وتعويده على البلاء والصبر للتكيف حسب مقتضيات هذا الاستخلاف، فمن المعلوم أن توطين النفس على التكاليف مما يقوي صبرها على تحملها، ومن لطف الله به أنه لم يلقها على ظهره دفعة واحدة، بل درجه فيها ليبتليه، ويعرفه بضعفه، وليقر في نفسه أنه لا ملجأ له من مكائد الشيطان ووساوسه إلا إلى الله تعالى وحده، حتى يكون أسوة لذريته في ذلك.

ويتمثل ذلك كله في إسكان الله إياه الجنة، وإذاقته نعيمها، وإباحة متعها له، ما عدا شيئا واحدا وهو شجرة حجر الله عليه الأكل منها سواء كانت هذه الشجرة فردا من الأشجار معينا أو جنسا من أجناسها تدخل ضمنه أفراد شتى، وقد تبدو هذه المحنة هينة عند من لا يعلم طبيعة الإنسان ولا يحيط بمكائد الشيطان ولكنها في حقيقتها محنة صعبة، فإن النفس البشرية خلقت ميالة الى ما حجر عليها، ومتطلعة إلى ما خفي عنها، وللشيطان وسائل إليها وقد عقد العزم على إضلالها فكان في حجر الأكل على آدم وزوجه من هذه الشجرة اختبار لإرادته وتعريف له بعجزه، ومن ناحية أخرى فإن السلب بعد الوهب من أتعب ما يعانيه الإنسان، فلا غرو إذ اعيل صبر آدم على محنة الحرمان من هذا النعيم الذي كان يتفيأ ظلاله ويتقلب على لطفه الوثير، وضاق ذرعه من وحشة الإبعاد بعد أن التقريب، ولم يكن قذفه بهذه المصائب إلا لتمام أعداده للمهمة التي نيطت به، فإنه خلق لحياة الأرض التي يجد فيها العطاء والحرمان، والأنس الوحشة، والخير والشر، حتى يجتازها بسلام فينقلب إلى ما أعد له من النعيم الدائم جزاء عمله وصبره، وجهاده وكفاحه، فكان في كل ما مر به تربية نفسية له ولذريته الذين سينوؤن بما ناء به من التكاليف، وسيتحملون ما تحمله من مشاق حتى يعبروا طريق هذه الحياة، وينقلب كل منهم إلى حياة أخرى يجني فيها ما غرس، ويحصد ما زرع خيرا كان أو شرا.

صفحه نامشخص