384

" هذه القوى التي نرى آثارها في كل شيء يقع تحت حواسنا وقد خفيت حقائقها عنا، ولم يصل أدق الباحثين في بحثه عنها إلا إلى آثار تجل إذا كشفت، وتقل بل تضمحل إذ حجبت، وهي التي يدور عليها كمال الوجود، وبها ينشأ الناشئ، وبها ينتهي إلى غايته الكامل، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل أليست أشعة من ضياء الحق؟ أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه؟ ألا تعد بنفسها من عالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة؟ ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والإختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا؟ ألا تراها توافي بأسرارها من ينظر في آثارها ويوفيها حق النظر في نظامها؟ يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها "؟.

" أليس الوجود الإلهي الأعلى من عالم الغيب وآثاره في خلقه من عالم الشهادة؟ أليس هو الذي وهب تلك القوى خواصها وقدر لها آثارها؟ لم لا تقول أيها الغافل إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة بها ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفي حيوان مثلك؟ مع أنك لو سئلت عن الذي تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفا ولا لفعله تصريفا؟ لم لا تقول كما قال الله وبه نقول:

تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

[الإسراء: 44].

" أفلا تزعم أن لله ملائكة في الأرض وملائكة في السماء؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟ وهل حددت أمكنتها ورسمت مساكنها؟ وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك ومن يكون عن يسارك؟ هل ترى أجسامهم النوارنية تضيء لك في الظلام أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟ فلو ركنت إلى أنها قوى او أرواح منبثة فيما حولك أو ما بين يديك وما خلفك، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك، وبالعبارة التي تلقفتها عنهم كي لا يوحشك بما يدهشك وترك لك النظر فيما تطمئن إليه نفسك من وجوه تعرفها، أفلا يكون ذلك أروح لنفسك وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟ أفلا تكون قد أبصرت شيئا من وراء حجاب ووقفت على سر من أسرار الكتاب فإن لم تجد في نفسك استعدادا لقبول أشعة هذه الحقائق وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول:

آمنا به كل من عند ربنا

[آل عمران: 7] فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته وهم في إيمانهم أعلى منك كعبا وأرضى منك بربهم نفسا، ألا إن مؤمنا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة ومن فضل ربه في سعة ".

هذا ما قاله الإمام في هذا الموضوع، وأقره وتابعه عليه السيد رشيد رضا، ويتلخص رأيهما فيما يلي:

1) عدم التفرقة بين الملائكة والأرواح التي هي قوام أجساد الأحياء.

2) تفسير الملائكة والأرواح بالقوى الطبعية الكامنة وراء العالم البشري وغيره من المخلوقات.

صفحه نامشخص