جواهر التفسیر
جواهر التفسير
3) تفسير إبليس والشياطين بقوى الشر الكامنة وراء هذه المخلوقات التي تدفع بالإنسان الى ما فيه ضرر نفسه وجنسه ومصيبة مجتمعة وأمته.
وقد جاء رد الإمام على خصومه في هذه المسألة مليئا بعارات التشنيع عليهم والاستخفاف بهم، خاليا من الحجج التي يمكن أن يعول عليها في اثبات أمر أو نفيه بل كان وحيا من عاطفته الجياشة الثائرة بعيدا عما يجب أن يكون عليه البحث الموضوعي، وقد حشر فيه ما لا صلة له بما يتحدث عنه، وسفه رأي من قال إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل وعده من دواعي الحيرة والشك في العقيدة لعدم استيعاب الأفهام لهذا المنطق، ووافقه السيد رشيد رضا في تعليق له على كلامه في حاشية المنار ونصه: " هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام وغيرها وأول ما يعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة، ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما ".
هذا وإذا كنت قد أعجبت بكثير من آراء هذين الإمامين في تفسيرهما لكتاب الله كما تجدون ذلك واضحا في هذا التفسير فإن ذلك لا يمنعني من التنبيه على خطئهما عندما يحيدان عن الصراط السوي في الرأي، وما من أحد إلا وفي كلامه ما هو مقبول وما هو مردود إلا المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، وبناء على هذا فإنني أقول:
الملائكة والشياطين من عالم الغيب
لا ريب أن الملائكة والشياطين من عالم الغيب الذي لا يمكن أن نفسره وفق المقاييس التي نعتمد عليها في فهم عالمنا المشهود، وإنما يجب استنادنا في اكتناه حقائقه على ما نفهمه من كتاب الله، وما ثبت عندنا من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لنا أي اتصال بالغيب إلا من طريقهما، وإذا استقرينا نصوص الكتاب والسنة نجد أن هذا التفسير الذي قاله الإمام واعتمده تلميذه صاحب المنار ليس من الصحة في شيء بل هو بعيد من الصحة بعد تخوم الأرض عن الأفلاك المتناهية في العلو، فالله عز وجل يخبرنا عن الملائكة بقوله:
جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشآء
[فاطر: 1]، وقوله:
بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين
[الأنبياء: 26 -29]، فإن هذه الأوصاف - بحسب مقتضيات اللغة العربية - لا تكون إلا لأولي ذوات مستقلة، وهو يتنافى مع تفسيرهم بالطاقات الطبعية، فإنه من المعلوم أن الطاقة الطبعية لا توصف بأنها عاقلة، وكل من لفظتي " أولى " و " عباد " لا تطلق إلا على جنس العقلاء فضلا عن إطلاقهما على الحقائق المعنوية وحدها كالقوى الطبعية، ومثل ذلك وصف العباد بالصيغة الدالة على جمع العقلاء في قوله { لا يسبقونه } ، و { يعملون } ، و { بين أيديهم وما خلفهم } ، و { لا يشفعون } ، و { هم } ، و { مشفقون } ، و { منهم } ، ويقول تعالى:
والملائكة باسطوا أيديهم
صفحه نامشخص