383

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء

[البقرة: 268].

وكانت هذه خطوة يخطوها الإمام إلى إيضاح رأيه الذي اقتنع به، ثم جاءت ال خطوة الثانية في قوله: " وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخة الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي سمى في لسان الشرع ملكا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها وبه قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، فلا يعلم إلى الله علام يختلف الناس؟ وكل يقر بوجود شيء غير ما يرى ويحس، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه، وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما أجيب عنه لو قال أصدق بغيب أعرف أثره وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤنمين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي، ويحظى بما يحظى به المؤمنون ".

وخلاصة ما ذكره هنا أن المراد بالملائكة هذه القوى الغيبية التي تكمن وراء الكائنات الإنسانية والحيوانية والنباتية، وهي ما تسمى بالأرواح عند المتدينين وفقا لنصوص الوحي، وبالقوى الطبيعية عند غيرهم وهو كما تراه يعزو ذلك إلى بعض المفسرين ولم يحدده، وقد فتشت فيما وصلت إليه يدي من كتب التفسير عن هذا الرأي فلم أجد معزوا إلى أحد الإسلاميين سواءك ان من المفسرين أم من سائر العلماء، وإنما وجدت رأيا قريبا منه معزوا إلى النصارى، وآخر إلى فلاسفة اليونان، كما سيأتي إن شاء الله، ولست أدري هل يقصد الأستاذ بالبعض الذي ذكره هؤلاء؛ أو أنه يريد به نفسه فورى عنها بكلمة بعض المفسرين؟ ويتضح لمن قرأ كلامه هذا أنه أراد بهذه المحاولة التقريب بين عقائد المسلمين وأفكار الماديين الذين ران الباطل على قلوبهم فلم تتمكن من إبصار الحقيقة وإدراك الحق، وهيهات أن يلز الحق والباطل، أو الهدى والضلال في قرن.

ثم ذكر عقب ما تقدم ما يحس به كل أحد عندما يهم بأمر حق أو باطل من تنازع في نفسه بين دواعي الخير ودواعي الشر - وهي خواطره المترددة - إلى أن يترجح أحد الجانبين فيقدم على الفعل أو الترك في الأمرين، وأجاز أن تسمى الخواطر الخيرية باسم الملائكة لأن التسميات لا حجر فيها على الناس، فكيف يحجر على صاحب الإرادة المطلقة، والسلطان النافذ، والعلم الواسع؟ وذكر السيد رشيد رضا عقب كلامه هذا أن الإمام الغزالي سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب، وقال إنه سمي ملكا، وذلك أنه بعدما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال: " ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث، ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب، هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا، والذي يتهيأ به لقبول الشر يسمى إغواء وخذلانا، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة ".

والفرق واضح بين كلام الغزالي هذا وكلام الإمام محمد عبده، فإن الغزالي لم يزد على أن خواطر الخير تكون بإلهام الملائكة فإنهم يتولون بأمر الله إلقاءها في نفس الإنسان، وخواطر الشر من أمر الشيطان، وهذا هو الذي تفيده دلائل القرآن والسنة، ولا يدل كلامه من قريب ولا بعيد أن خواطر الخير هي نفسها الملائكة، وخواطر الشر هي الشياطين كما يقتضيه كلام الإمام محمد عبده، وإن عد كلاميهما صاحب المنار من باب واحد.

وبعد هذه التوطئة الطويلة من الإمام محمد عبده لغرضه المقصود أتى ببيت قصيده حيث قال: " فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصا بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعدا للتصرف بجميع هذه القوى، وتسخيرها في عمارة الأرض وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له والتصرف الذي لم يعط لغيره، خليفة الله في أرضه، لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس، وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزا وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مبدأ الوجود لترده إلى العدم أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء أو التي تعارض في اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خلق مستعدا للوصول إليها، تلك القوة التي ضللت آثارها قوما فزعموا أن في العالم إلها يسمى إله الشر، وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته الا هو - قال - ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق ".

واذا كان الإمام قال هنا بجواز هذا التأويل ورد الأمر فيه إلى اطمئنان القلب وسكون النفس، فإنه تجاوز ذلك إلى القول بوجوبه بعد أن طمت عليه موجة من الاستنكار من العلماء الذين لم يألفوا مثل هذا التأويل البعيد عن مدلولات ألفاظ القرآن بحسب وضعها اللغوي والاصطلاحي فأصر على قوله إصرارا ولم يعر عاذليه إلا أذنا صماء، وقد وقف بجانبه تلميذه السيد رشيد رضا الذي بين هدف الإمام من هذا التأويل، ومهد لنقل ما رد به الإمام على خصومه بقوله: " إن غرض الأستاذ من هذا التأويل الذي عبر عنه بالإيماء وبالإشارة اقناع منكري الملائكة بوجودهم بتعبير مألوف عندهم تقبله عقولهم وقد اهتدى به كثيرون وضل به آخرون فأنكروه عليه وزعموا أن جعل الملائكة قوى لا يعقل فرد عليهم كتابة بما نصبه بحروفه " ولست أحيط علما بما فعلت العادة والتقاليد في أنفس بعض من يظنون أنهم من المتشددين في الدين إذ ينفرون من هذه المعاني كما ينفر المرضى أو المخرجون من جيد الأطعمة التي لا تضرهم، وقد يتوقف عليها قوام بنيتهم، ويتشبثون بأوهام مألوفة لهم تشبث أولئك المرضى والمخدجين بأضر طعام يفسد الأجساد ويزيد السقام، لا أعرف ما الذي فهموه من لفظ روح أو ملك؟ وما الذي يتخيلونه من مفهوم لفظ قوة؟ أليس الروح في الآدمي مثلا هذا الذي يظهر لنا في افراد هذا النوع، بالعقل والحس، والوجدان والإرادة والعمل، وإذا سلبوه سلبوا ما يسمى بالحياة؟ أو ليست القوة هي ما تصدر عنه الآثار فيمن وهبت له، فإذا سمي الروح لظهور أثر قوة، أو سميت القوة لخفاء حقيقتها روحا، فهل يضر ذلك بالدين أو ينقص معتقده شيئا من اليقين؟ ".

" ألا لا يسمى الإيمان إيمانا حتى يكون إذعانا، ولا يكون كذلك حتى يستسلم الوجدان وتخشع الأركان لذلك السلطان الذي تعلق به الإيمان، ولا يكون كذلك، حتى يلقي الوهم سلاحه، ويبلغ العقل فلاحه، وهل يستكمل ذلك لمن لا يفهم ما يمكنه فهمه، ولا يعلم ما يتيسر له علمه؟ كلا إنما يعرف الحق أهله ولا يضل سبله، ولا يعرف أهل الغفلة لو أن مسكينا من عبدة الألفاظ من أشدهم ذكاء وأذربهم لسانا أخذ بما قيل له إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل، ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معنى نورانية الأجسام، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصا ممتازا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف، ثم ينعكس عنه كذبالة المصباح أو سلك الكهرباء؟ ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشيء الواحد أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد، وكيف يكون ذلك؟ ألا يقع في حيرة، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث في لسانه من العقد ما لا يستطيع حله؟ أليس مثل هذه الحيرة يعد شكا؟ نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه، وكلف نفسه علم ما لا تعلمه، فلا يعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانا صحيحا واطمأنت بإيمانه نفسه، وأذعن له قلبه، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله كما هو شأن صاحب الإيمان الصحيح ".

" فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر فيها تقاليد حفت بالمخاوف لا علوم حفت بالسكينة والطمأنينة، هؤلاء لم يشرق في نفوسهم ذلك السر الذي يعبر عنه بالنور الإلهي، والضياء الملكوتي، واللألاء القدسي، أو ما يماثل ذلك من العبارات، لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق، ولو علموا أن العالم بأسره فان في نفسه، وأن ليس في الكون باق كان أو يكون إلا وجهه الكريم، وأن ما كثف من الكون وما لطف وما ظهر منه وما بطن إنما هو فيض من جوده، ونسبة إلى وجوده، وليس الشريف منه إلا ما أعلى بذكره منزلته، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته، فإن كل مظهر من مظاهر الوجود في نفسه واقع موقعه ليس شيء أعلى ولا أحط منه، فإن كان كذلك - ولا بد أن يكون كما قدره - لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول في تلك الشؤون حتى تصل الى مستقر الطمأنينة حيث لا ينزاع العقل شيء من وساوس الوهم، ولا تجد طائفة من الخوف، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ ".

صفحه نامشخص