382

[النمل: 41]، وعدل عن نحو وكان كافرا إلى { وكان من الكافرين } مع أنه لم يكن له ثان في الكفر يومئذ فضلا عن وجود مجموعة من الكافرين ينضم إليها لأن التعبير المعدول إليه أدل على تعمق الكفر فيه وتمكنه منه، فإن الواحد يزداد تمسكه بمبدئه وإصراره عليه إذا علم ان له شركاء يساندون رأيه ويقفون معه، فإبليس وإن كان هو الإمام للكافرين ورفضه لما أمره الله به هو الخطوة الأولى إلى الكفر، فإن استشعاره أنه سيكون له أتباع وأعوان وشركاء فيما اختاره لنفسه من الكفر كان له حافزا إلى الإصرار على ما أخلد إليه والعياذ بالله، وقد ذكر الاستكبار هنا مجملا وبين في قوله تعالى حاكيا عنه:

أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

[ص: 76، الأعراف: 12] وفيه دليل على أن منشأ استكباره نظره إلى العنصر الذي خلق منه، والعنصر الآخر الذي خلق منه آدم، ولم يدر بباله أن قيمة كل أحد عمله وليست عنصره، وفي هذا عبرة للذين يتفاخرون بالأنساب ويتكلون على الأحساب تاركين العمل الصالح جانبا عنهم كأنما يجازي الناس يوم القيامة بأنسابهم.

المفهوم الخاطئ عن الملائكة

هذا وقد سبق لي أن أشرت في مقدمة التفسير إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وتابعه عليه تلميذه العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير قصة آدم عليه السلام وقد رأيت أن اورد هنا ما قالاه في تفسير هذه الآية الكريمة وذلك بإيراد نص كلامهما تارة ومضمونه تارة اخرى ثم أتبع ذلك كشف الستار عن هذه المسألة وبيان مخالفة رأيهما لمدلولات النصوص القرآنية وما اتفقت عليه هذه الأمة جيلا بعد جيل مع شرح الأسباب التي دفعت بهما إلى اتباع هذا المسلك الملتوي في تأويل كتاب الله.

سبق أن أشار الأستاذ الإمام في الآيات السابقة أن الناس وقفوا من هذه القصة موقفين: موقف التفويض وعدم الخوض في بيان تفاصيلها وعزا ذلك إلى السلف، وموقف التأويل وأمثل وجوهه عنده أن يكون المراد بهذه القصة مجرد التمثيل، وقد سبق أن ذكرت في بداية تفسيرها بطلان حمل القصص القرآنية على التمثيل فحسب، فإن للتمثيل طرقا في القرآن ليست هذه القصة منها ولا إليها.

وفي حمل الأستاذ هذه القصة على التمثيل توطئة لما سيقوله بعد فإنه تدرج في تأويلها وتأويل ما انطوت عليه من أسماء الأجناس الغيبية حتى انتهى إلى النقطة النهائية التي لم يبرحها وهي ذلك التأويل البعيد الذي أشرت إليه في المقدمة.

ولنبدأ هنا بنقل كلامه حسب تلخيص السيد رشيد رضا له. قال:

" تقدم أن الملائكة خلق غيبي لا نعرف حقيقته وإنما نؤمن به بإخبار الله تعالى الذي نقف عنده ولا نزيد عليه، وتقدم أن القرآن ناطق بأن الملائكة أصناف لكل صنف وظيفة وعمل، ونقول الآن إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم وقد أسند إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهاما، وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح، فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا ونحن لا نحس بشيء يتصل بأبداننا، لا عند الوسوسة، ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس، فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعا، والواجب على المسلم في مثل هذه الآية الإيمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ثم الإعتبار بها بالنظر في الحكم التي سيقت لها القصة ".

وبعد إيراد هذه الفقرة من كلام الإمام في المنار قال السيد رشيد رضا: " إن إسناد الوسوسة إلى الشياطين معروف في الكتاب والسنة، وأما إسناد الحق والخير إلى الملائكة فيؤخذ من خطاب الملائكة لمريم عليها السلام، ومن حديث الشيخين في المحدثين وكون عمر منهم - والمحدثون بفتح الدال وتشديدها الملهمون - ومن حديث الترمذي والنسائي وابن حبان وهو " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان " ثم قرأ:

صفحه نامشخص