جواهر التفسیر
جواهر التفسير
والجواب أن الفاء هنا رابطة وليست عاطفة حتى تكون دالة على التعقيب وإنما دلالتها على السببية وحدها.
والملائكة الموجه إليهم هذا هم جميع ملائكة الله كما يفيده التعريف والتأكيد بكلهم وأجمعون في قوله سبحانه:
فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[ص: 73] وهو يدل على رجحانية ما رجحته من قبل من أن الملائكة الذين قال لهم الله إني جاعل في الأرض خليفة هم جميع ملائكته تعالى خلافا لمن قال إنهم ملائكة الأرض وحدهم كقطب الأئمة في الهيميان، ووجه هذه الدلالة أن الأصل في الاسم إذا أعيد معرفة أن يكون مدلوله نفس المدلول السابق، ومما يستغرب أن قطب الأئمة - رحمه الله - اختار في هيميانه وتيسيره أن لفظ الملائكة هنا صادق على جميع أفراده مع ما سبق نقله عنه من أن الملائكة الذين خوطبوا أولا هم ملائكة الأرض وحدهم.
وقد سبق أن ذكرت أن الألوسي نقل عن الصوفية أن المأمورين بالسجود من عدا العالين من الملائكة، وأن العالين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات، وحملوا على ذلك قوله تعالى:
أستكبرت أم كنت من العالين
[ص: 75]، ولا يجوز التعويل على هذا الرأي إذ هو من شطحاتهم المألوفة، وسيأتي إن شاء الله بيان المراد من العالين عندما نصل إلى تفسير الآية من سورة (ص) بعون الله وتوفيقه.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق خلقا آخر فقال: إني خالق بشرا من طين - اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: { اسجدوا لأدم } ، قالوا نعم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم، وهذه رواية باطلة إذ في اسنادها مبهم، وهي مصادمة لنصوص القرآن الدالة على عصمة الملائكة عن مخالفة أوامر الله، ومن ناحية أخرى فإنها تقتضي أن خلق آدم سابق على خلق الملائكة، والآيات دالة على أنهم أوذنوا بخلقه قبل أن يخلق، وهو يقتضي أن يكون وجودهم سابقا على وجوده، ومن التناقض البين في هذه الرواية زعم راويها أن إبليس كان مندرجا في تلك المجموعة التي رفضت السجود فأحرقت بالنار، ويلزم من هذا أن يكون إبليس ممن أتت عليه النار، وبالجملة فلولا خشية أن تكون هذه الرواية سببا للبس الحق بالباطل لكان الأولى عدم ذكرها رأسا.
وسجودهم لآدم لم يكن عبادة له فإن العبادة لا تكون إلا لله رب العالمين، ولم تشرع عبادة غير الله عند أية طائفة من الخلق ولا في أية رسالة جاءت من عند الله
ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
صفحه نامشخص