378

[الأنبياء: 25]، وإنما هو سجود إجلال وتكريم أذن به الله تعالى لإعلاء شأن الجنس البشري في الملأ الأعلى، وامتثال الملائكة لأمر الله به معدود من عبادة الله سبحانه التي لا يفتأون عنها، واختلف في نوعه، فقيل كان سجودا شرعيا وهو عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، وقيل: لم يكن الا سجودا لغويا وهو عبارة عن تواضعهم وتطامنهم بين يديه، ولا يشكل مجيء ألفاظ في القرآن والسنة مستخدمة في معانيها اللغوية الأصيلة مع أن الشرع حولها إلى معان أخرى، وذلك كالصوم في قوله تعالى:

إني نذرت للرحمن صوما

[مريم: 26] فإنه بمعنى الإمساك مع أن الصوم منقول في الشرع إلى إمساك خاص ليس هو المراد هنا، والكفر المدلول عليه بقوله عز وجل:

أعجب الكفار نباته

[الحديد: 20] فإنه مستعمل في معناه اللغوي - وهو التغطية - مع أن الشرع نقله إلى مفهوم آخر، ومن العلماء من يرى الوقوف عن تحديد كيفية هذا السجود، وهو أولى لعدم قيام حجة على تعين أحد القولين.

واختلف أيضا هل كان مقصودا بهذا السجود آدم نفسه أو أنه كان سجودا لله، وكان آدم قبلة للساجدين كما هو شان الكعبة المشرفة؛ ويرجح الرأي الأول تعدية فعل السجود باللام الدالة على أن مدخولها هو المقصود به، ولا يستشكل سجود مخلوق لمثله مع الأمر بذلك ممن له الخلق والأمر على أن سجود بعض الناس لبعض كان مباحا في بعض عهود النبوات السابقة، كيف وقد حكى الله عن أبوي يوسف عليه السلام وإخوته أنهم خروا له سجدا، ومهما يكن فليس في ذلك ما يلمح منه قصد عبادة مخلوق لمخلوق مثله، وإنما حرم السجود لغير الله في رسالة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه حتى لا يكون في هذه الأمة تعظيم لغير الله عز وجل، فلا تخر جبهة على الأرض ولا يتطأطأ رأس ولا ينحني ظهرا لغير جلاله تعالى، ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من هم بالسجود له.

وتأول القائلون بالقول الثاني " اللام " بمعنى " إلى " واستشهدوا لذلك بقول حسان:

أليس أول من صلى لقبلتكم

وأعلم الناس بالقرآن والسنن

ومنهم من حمل اللام على معنى " عند " مستدلا بقوله سبحانه:

صفحه نامشخص