جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[الحجر: 28 - 29]، وقوله:
إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71 -72]، فإن الظاهر من ذلك أنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود عندما آذنهم بخلق آدم، والمجيء بفاء الترتيب في جواب الشرط مؤذن بأن السجود كان مطلوبا عند حصول نفخ الروح وهو بلا ريب سابق على تعلميه الأسماء وما ترتب عليه، ولا بد هنا من وقفة تأمل فيما تدل عليه آيات (الحجر) و(ص)، وما تدل عليه سائر الآيات، فإن من المعلوم أن الأصل في ترتب الحكايات أن يكون بحسب ترتب المحكيات، وقد سردت هنا قصة آدم مبتدأة بإيذان الله الملائكة أنه مستخلفه في الأرض مع ذكر المراحل التي مر بها إلى أن أهبط من الجنة إلى الأرض. والظاهر أن كل ما ذكر في القصة كان مرتبا بحسب ترتبها الزمني، وهذا يعني أن أمر الملائكة بالسجود كان إثر ما تقدم ذكره من ظهور تفوق آدم على الملائكة في معرفة الأسماء، ومقدرته على تعليمها لهم، ويرجح ذلك المناسبة التي ذكرتها وهو أن يكون في هذا السجود اعتذار منهم إليه عما قالوه في شأنه، أما ما في سورة (الحجر) و(ص) فهو يشعر بأن الله تعالى عندما أخبر الملائكة بخلقه آدم تضمن إخباره أمرا تعليقيا بأن يسجدوا له عندما يكتمل خلقه ويتجلى فيه السر الإلهي وهو ما عبر عنه بالنفخ فيه من روحه ويجمع بين ما ذكر في تينك السورتين وما ذكر في هذه السورة وسائر السور المشتملة على قصته من الأمر التنجيزي بالسجود بأن ذلك الأمر ظل معلقا إلى أن تم وجود ما تعلق عليه فأكد لهم بالصيغة التنجيزية، هذا ما ظهر لي من الجمع بين ما ورد في هذه القصة وأنا أستغفر الله مما خالفت فيه الحق.
معنى السجود لآدم
ولا يبعد أن يكون الأمر بالسجود ما كان إلا مرة وإنما حكي تارة معلقا وأخرج منجزا بحسب اختلاف المقامات، فإذا أورد حالة ذكر الإعلام بخلقه ذكر معلقا نظرا إلى عدم وقوع ما علق عليه عندئذ، وإذا ذكر مع ذكر هذا المعلق عليه ذكر منجزا، ويرجح ما ذكرته من قبل قوله تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم
[الأعراف: 11] اللهم إلا (أن) تحمل (ثم) على المهلة الرتبية كما هو شأنها اذا عطفت الجمل، وهذا الذي استقر عليه رأيي أخيرا وسأزيده بيانا في سورة الأعراف إن شاء الله.
ولعله مما يستشكل أن يكون السجود لآدم بعد تلك المقاولة في الأسماء مع قوله سبحانه:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 72] فإن الظاهر من الآية أن السجود مطلوب عقب نفخ الروح وذلك لمكان الفاء التي يقترن عطفها بالتعقيب غالبا وتوسط الكلام في الأسماء بين نفخ الروح والسجود مناف لهذا التعقيب.
صفحه نامشخص