جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وروى عن أبي العالية والربيع ابن أنس والحسن وقتادة: أن المراد بما يكتمونه هو قولهم فيما بينهم لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه وذلك عندما رأوا خلقه آدم حسبما روى ابن جرير وغيره، وإنما عد ذلك مما يكتمونه مع إفضاء بعضهم به إلى بعض لأن هذا الإفضاء لم يكن إلى عموم الملائكة بل كان افضاءا محدودا حسبما قيل، وفي المنار عن الإمام محمد عبده أن الذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم، وقد جيء بكان الدالة على المضي مع ذكر الكتمان دون الإبداء، قيل لأن كتمانهم كان فيما سبق أما بعد أن كشف الله أمرهم فلم يكن كتمان، والأظهر أنها أريد بها تعميق مفهوم خبرها وهو ضرب من التأكيد كثيرا ما يجيء في القرآن نحو قوله تعالى:
وكان الله غفورا رحيما
[الفتح: 14]، ففائدتها في هذا الكلام تأكيد أنهم كتموا ما كتموه حرصا منهم على أن لا يبدو شيء منه لغيرهم.
ومما يستفاد من هذا الدرس وجوب مراقبة النفس في كل ما يلم بها من الخواطر وينتابها من الأفكار فإن الله سبحانه عليم بطوايا الصدور وخفايا الأمور فلا يخفى عليه شيء مما يتلجلج في صدر أحد، وبحصول هذه المراقبة من الانسان لنفسه يكون يقظا في أمره، بصيرا بما يأتي وما يذر.
[2.34]
أسند القول فيما تقدم إلى الرب مضافا إلى الضمير المخاطب المقصود به الرسول صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من التنبيه بأن مراد الله بهذا الاستخلاف تربية هذا الجنس المستخلف في هذه الأرض بما يمنحه من مواهب وينمي فيه من قدرات ويودع في تكونيه من طاقات حسية ومعنوية، وذلك مفهوم من لفظة الرب فإنها بمعنى المربي والمصلح كما تقدم في الفاتحة، وإضافته إلى ضمير الخطاب العائد إليه صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم بلغ أرفع رتبة يصل إليها أفراد هذا الجنس فإنه نال من التربية الإلهية الظاهرة والباطنة ما لم ينله أحد من الخلق، وأحاطت به عنايته تعالى في كل شيء فخرج لهذا الوجود وقد اجتمعت فيه جميع صفات الكمال التي وهبها الله هذا الجنس الإنساني من بين مخلوقاته.
وقد عدل عن هذا الأسلوب هنا إلى أسلوب آخر حيث أسند القول إلى ضمير المتكلم الآتي بصيغة الجمع لإظهار عظمته، وهذا العدول مما يسمى في عرف علماء البلاغة بالالتفات، وقد سبق ذكره في سورة الفاتحة، وأنه يأتي لنكتة عامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه، وقد تكون مع هذه النكتة نكت خاصة بحسب ملاءمات مقام الخطاب، والنكتة الخاصة هنا أن الأمر بسجود الملائكة لأدم معاكس لما كانوا يتصورونه من فضلهم عليه وأحقيتهم بالخلافة دونه، فكأنما أراد به تعالى تأديبهم بعد أن أظهر لهم مزيته، فلذلك حكى هذا الجانب من القصة بهذا الاسلوب، وفي هذا السجود ما يشبه الاعتذار منهم إليه مما قالوه في شأنه.
قصة الأمر بالسجود لآدم
والعطف هنا من باب عطف القصة على القصة كما تقدم، وما قيل في " إذ " هناك قيل هنا، وإعادتها بعد العاطف المغنى عن إعادة الظرف للتنبيه على أن هذه القصة مقصودة بذاتها، فكانت حرية بالاستقلال والاهتمام، ومن هنا لم تعطف بالفاء الدالة على الترتيب والتفريع مع أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها غير أن مراعاة استقلالها والعناية بها كانت أولى من مراعات التفرع المذكور، ويتضح لكم مما ذكرته من أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها أن الأمر بالسجود كان على أثر ظهور مزية آدم بعلمه الأسماء وتعليمه إياها للملائكة، وذهب الفخر الرازي إلى أن الأمر بالسجود سابق على تلك المقاولة المتعلقة بالأسماء لقوله تعالى:
وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
صفحه نامشخص