372

[2.33]

بعد أن عرض الله أجناس المسميات على الملائكة وأمرهم أن ينبئوه بأسمائها فاستعصى ذلك عليهم فلجأوا إلى تسبيحه تعالى معلنين أنهم لا علم لهم إلا ما علمهم إياه، وجه تعالى هذا الخطاب إلى آدم حتى يتبين لهم ما اختصه الله تعالى به من العلم ومنحه إياه من الفهم إذا ما جاء بما ند عن أفهامهم، واستعصى على مداركهم ووجه إليه هذا الخطاب مصدرا بندائه بإسمه لما في ذلك من الإيناس والتكريم، كيف والمقام مقام دهشة واضطراب فإن المخاطب هو الله الذي له ملك السماوات والأرض وهو بكل شيء محيط؟ وهذه سنته تعالى في خطابه لأنبيائه نحو: يا نوح... يا هود... يا صالح.. يا شعيب.. يا موسى.. يا عيسى بن مريم.. وانما اختص عز وجل عبده ورسوله محمدا عليه أفضل الصلاة والسلام فلم يناده باسمه العلم، بل كان غالب ندائه له بلقب النبوة أو الرسالة، وذلك لأجل الإعلان عن قدرة والإشعار بمكانته، وفي ذلك تعليم ضمني بكيفية مخاطبة الناس له صلى الله عليه وسلم.

آدم ينبئ الملائكة

وقد أمر سبحانه آدم عليه السلام أن ينبئ الملائكة بالأسماء التي لم يفهمونها ولم يأمره أن ينبئه هو كما سبق في أمره إياهم للفارق بين الأمرين فإن أمره سبحانه للملائكة كان امتحانا لهم بخلاف أمره لآدم، فإنه أمر تشريف وتكريم أراد تعالى به إظهار مزيته وبيان ما تنطوي عليه فطرته من الخصائص التكوينية لدرك المعارف التي لم تكن فيهم، ومثل ذلك - والله المثل الأعلى - أن يمتحن أستاذ تلامذته في درس من الدروس التي أملاها عليهم ويطالبهم بتحليل معانيه واستنتاج فوائده، وهو واثق أن أفهامهم لم تستوعب ذلك، ومداركهم لم تستجله، وإنما يريد منهم معرفة قصورهم، فإذا تبين لهم فشلهم قال لتلميذ آخر أيقن منه توقد الفطنة وسعة الإدراك، قم يا فلان وأخبرهم بما لم يفهموه، وفصل هم ما عزب عن مداركهم وأفهامهم.

وقد قام آدم بهذه المهمة التي نيطت به خير قيام فأوضح ما انبهم من أسماء هذه الأجناس التي عرضت على الملائكة كما يدل عليه قوله سبحانه: { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } وعندئذ نودي عليهم من قبله تعالى بأن أسراره في خلقه، وحكمه في أفعاله لا يحيط بها غيره سبحانه، فليس لأحد بأن يعترضه في أمره، إذ له سبحانه الخلق والأمر، وهذا مطوى تحت إجابته لهم بقوله: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ولم يذكر سبحانه في سالف القصة نص هذا القول وإنما ذكر ما يتضمن معناه وهو قوله لهم : { إني أعلم ما لا تعلمون } وفي هذا دليل على أن المراد بما لا يعلمون هناك هو ما فصله هنا بأنه غيب السماوات والأرض فما حكي هنا تقرير وتفصيل لما حكي هنالك.

والأولى إجراء غيب السماوات والأرض على العموم فيدخل في ذلك كل ما انطوى عليه هذا الوجود من حقائق لم تكتنهها أفهام الخلق، وكل ما حدث أو سيحدث في الكون من أمور لم تحط بها المخلوقات علما، ومن كان محيطا بهذه الخفايا كلها لم يخرج شيء من أفعاله عن الحكمة، ولم يكن شيء من أمره محلا للنقد أو الإعتراض.

وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بغيب السماوات أكل آدم وحواء من الشجرة، والمراد بغيب الأرض قتل قابيل لأخيه هابيل، وهو تفسير ضعيف جدا فإن غيب السماوات والأرض أوسع من ذلك بكثير، ومن ناحية أخرى فإن كلا من الأكل أو القتل لم يكن حاصلا عندما وجه الله إلى الملائكة هذا الخطاب.

وذهب بعضهم إلى أن غيب السماوات هو ما قضاه من أمور خلقه، وغيب الأرض هو ما فعلوه فيها بعد القضاء.

وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا الغيب أحوال آدم التي علمها الله سبحانه قبل خلقه، وهذا من باب قصر عموم اللفظ على خصوص السبب، والمعول على ما صححه الأصوليون من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ وإنما دخول السبب الخاص في المراد من اللفظ العام أولوي لأنه مقطوع به، وإبقاء اللفظ هنا على عمومه أليق بكمال الله الذي أحاط بكل شيء علما.

والاستفهام في قوله: { ألم أقل لكم... } تقريري، فإن ذلك القول لا ريب في وقوعه، والملائكة يعلمون وقوعه ولا ينكرونه، ومن شأن الاستفهام التقريري إذا أريد به إثبات شيء أن يدخل عليه منفيا نحو قوله تعالى:

صفحه نامشخص