371

ومما يرمي إليه هذا الخطاب الموجه إلى الملائكة تنبيههم على خطئهم ليراجعوا أنفسهم وينيبوا إلى ربهم وإن كانوا هم في جميع أحوالهم منيبين وقد أدركوا هذه الغاية المطلوبة منهم فسارعوا قبل كل شيء إلى تنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وعظم شأنه وذلك بقولهم: { سبحانك } وسبحان هو اسم مصدر بمعنى التسبيح، وقد تقدم أن التسبيح هو تنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق به، وفي تصدير جوابهم بالتنزيه اعتذار منهم إليه تعالى، ثم صرحوا بالعجز في قولهم: { لا علم لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم } [البقرة: 32] وفيما صدروا به جوابهم من تسبيحه تعالى إقرار بأن أفعاله عز وجل تجل عن العبث، فهي جميعها منطوية على حكم شتى ظهرت للخلق أو لم تظهر، وإنما على المخلوق أن يقف عند حده وأن لا يتجاوز في شيء طوره، فإذا عزب عنه علم شيء من أسرار الله في خلقه أو حكمه في أحكامه فما عليه إلا ان يقدسه تعالى ويبرئ أفعاله من أي عبث وويعترف بالعجز عن الإحاطة بحكمه تعالى في أحكامه أو أسراره في خليقته، وبهذا كانت الملائكة قدوة لسائر الخلق في مثل هذه المواقف، ويتضمن جوابهم هذا الإعتذار عن الإنباء بالأسماء، فكأنهم قالوا ربنا إنك لم تعلمنا هذه الأسماء فلا سبيل لنا إلى معرفتها حتى نقدر على الجواب، ثم ردوا علم كل شيء إليه تعالى حيث قالوا: { إنك أنت العليم الحكيم } [البقرة: 32] وهذه الجملة هي تذييل وتعليل لما تقدم، فإن من شأن الجمل المصدرة بأن إذا عقبت حكما أن تكون تعليلا له كما يتضح ذلك لمن استقرأ ما جاء من مثله في القرآن وفي الكلام العربي منثوره ومنظومه.

وعليم بوزن فعيل وهو من أوزان المبالغة، ولذلك يطلق في المخلوقات على ما يكون كالطبائع والسجايا من صفاتها، فإذا وصف أحد بأنه عليم أدركت أن العلم صفة ملازمة له، وهكذا يقال في صفتي السميع والبصير ونحوهما، ومن هنا لا يطلقون هذه الصيغة على ما يحدث عرضا، فلا يقال فيمن علم مرة إنه عليه وإنما يخصون ذلك بمن كان العلم ملكة راسخة في نفسه.

وفي تعريف المسند والمسند إليه مع توسيط ضمير الفصل بينهما ما لا يخفى من تأكيد وصفه تعالى بالعلم بحيث لا يعد غيره جديرا بوصف العلم لأنه تعالى وحده المحيط بكل شيء علما، وعلم كل من عداه لا يوازي شيئا بجانب علمه الأزلي الذي لا يخرج شيء عن حيطته، دقيقا كان أو جليلا، ولهذا كان هذا القصر حقيقيا ولم يكن ادعائيا، فإن كل من عدا الله وإن علم شيئا فإن علمه مسبوق بالجهل، وعلمه بذلك الشيء نسبي فإن ما يجهله من أحواله أكثر بكثير مما يعلمه بخلاف علمه تعالى الذي لا تخفى عنه خافية.

والحكيم بمعنى المحكم على الصحيح، وقد سبق ذكر اختلاف العلماء في إتيان فعيل بمعنى مفعل ومن أنكر ذلك يضطر في مثل هذه المواطن إلى التأويل فيحمل الحكيم هنا على معنى المفعول، ويتأول ذلك بأنه تعالى محكمة أفعاله، والتكلف باد على هذا التأويل، وإحكام الشيء هو اتقانه ووضع كل جزء منه موضعه، فالمراد من وصفه تعالى بأنه حكيم أنه متقن صنع كل شيء من خلقه، والأصل في الحكمة أن تكون من نتائج العلم، إذ لا يعقل أن يكون الحكيم غير عالم، فلذلك أتوا بصفة الحكيم بعد صفة العليم.

العلم لله وحده

وفي هذا الجواب من الملائكة تعليم لغيرهم أن يقفوا عما أشكل عليهم، ولا يدعوا علم ما لا يعلمون، وأن يردوا علم كل شيء إليه سبحانه وتعالى، فإن العلم له وحده ولا يصل إلى الناس شيء من علمه إلا ما أفاضه عليهم بمشيئته ولطفه، وإذا كان الملائكة - وهم في الملأ الأعلى يطلعون على ما لا يطلع عليه البشر من أسرار خلق الله تعالى - قد تبرأوا من العلم إلا ما علمهم الله ولم يقتحموا على الاجابة فيقولوا من تلقاء أنفسهم ما لم يأذن به الله، فما بالكم بالإنسان الجاهل الذي خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا؟ أنى يسوغ له أن يتسور على أحكام الله فيفتي فيها بجهله آتيا فيها لما لم يأذن به الله؟ أليس الأولى له أن يقتدي بملائكة الله فيجيب بلا أدرى فيما لا يدري فيحرز أجر الاعتراف بالحق؟ ويقف في الحد الذي أمره الله أن يقف عنده حيث قال: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } وناهيكم تحذيرا بالغا من التقول على الله بغير علم أن الله قرنه بالشرك في قوله:

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون

[الأعراف: 33]، وروى الإمام الربيع عن جابر رضي الله عنهما إرسالا عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال:

" من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصاد بئرا لا قعر لها ولو أنه وافق الحق "

وقد سبق في مقدمة التفسير ذكر توقف الخليفتين رضي الله عنهما عن تفسير الأب وتحرجهما من أن يقولا على الله ما لم يرده، وهكذا كان مسلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتدافعون الفتيا، ومن بلي بها ولم يستطع الفكاك منها كان شديد اليقظة والحذر من أن يأتي فيها بما لم يأذن به الله، وقد سلك مسلكهم جهابذة العلماء المحققين، فكان أحدهم يسأل عن المسائل الكثيرة ولا يجيب إلا عن القليل منها، ويقتصر فيما بقى على قول لا أدري، حتى فشا الجهل وكثر الادعاء، وتجرأ الناس على الخوض في مسائل الدين بدون معرفة، فاختلط الحابل بالنابل، والتبس الحق بالباطل فإنا لله وإنا إليه راجعون.

صفحه نامشخص