جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[البقرة: 29] والذي يقتضيها هنا أن هذا العرض وما ترتب عليه من ظهور عدم علم الملائكة، وظهور علم آدم، وظهور ما خفي من علم الله تعالى وحكمته كل ذلك أرفع رتبة في إظهار مزية آدم واستحقاقه الخلافة من رتبة مجرد تعليمه الأسماء لو لم يتصل بما ذكر.
ولما كانت مطالبته تعالى للملائكة أن ينبئوه بالأسماء متفرعة عن الغرض المكذور عطفت قصتها عليه بالفاء التفريعية.
والإنباء هو الإخبار بالنبأ وهو ما تميز من الأخبار بالفائدة العظيمة والأهمية البالغة بحيث يكون حريا أن يحرص على استفادته كل سامع، وبهذا يكون أخص من الإخبار.
وأولاء من أسماء الإشارة كما تقدم، و " ها " للتنبيه وهي مألوفة الدخول على أسماء الإشارة، والإشارة بأولاء تستعمل فيها إذا كان المشار إليه من جنس العقلاء، وقد تستعمل في غير العاقل كما أشير بها إلى السمع والبصر والفؤاد في قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]، فليس في الإشارة به في هذه الآية دليل على أن الأجناس المعروضة لم تكن إلا من العقلاء.
وهذا الأمر منه سبحانه لم يقصد به التكليف وإنما أريد به التبكيت وإظهار عجز الملائكة عما لم يجعل الله لهم إليه سبيلا، فلا دليل في الآية لمن قال بتكليف ما لا يطاق.
والمراد بقوله: { إن كنتم صادقين } إن كنتم صادقين في أحقيتكم بالخلافة من آدم، وهو ما يفهم من قولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30] وإن لم يأتوا به صريحا، وقيل المراد به إن كنتم واثقين أن قولكم في هذه الأسماء لن يخرج عن إطار الصدق، وفي هذا منع لهم عن الاجتهاد، فلذلك توقفوا عن الإجابة بخلاف الذي ابتلاه الله بأن أماته مائة عام ثم بعثه فسأله: { كم لبثت } فإنه لم يقيد في الاجابة المطلوبة منه بمثل ما قيدوا به، فلذلك ساغ له الاجتهاد وإن جاز عليه الخطأ، وقال بعضهم إن المراد بالصدق هنا العلم وهو غريب إذ لم تؤلف تسمية العلم بالصدق، وفسره بعضهم بالإصابة نظرا إلى أن الصدق كما يكون في القول يكون في العمل، وحكى ابن جرير وأبو عبيد عن بعضهم أنهم حملوا إن هنا على معنى " إذ " ، ورده كل منهما، وأطال ابن جرير في هذا الرد وبين أن الذي يكون بمعنى " إذ " هو أن المفتوحة لا المكسورة، لأن المكسورة خاصة بالاستقبال، و " إذ " دالة على المضي فلا يصح حلول إحداهما محل الأخرى.
صفحه نامشخص