369

تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام

[الرحمن: 78] فاسمه جل شانه ما يمكننا أن نعلم من صفاته وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله، ولا مانع من أن نريد من الأسماء هذا المعنى، وهو لا يختلف في التأويل عما قالوه من إرادة المسميات، ولكنه على ما نقول أظهر وأبين.

وقد أحال السيد محمد رشيد رضا القارئ إلى ما تقدم نقله عنه في تفسير البسملة، وهو أن اسم الله يسبح ويعظم، ومنه اسناد التسبيح اليه قولا وكتابة، وتسبيحه وتعظيمه بدون ذكر اسم خاص بالقلب، وان من تعمد اهانة اسم الله تعالى يكفر كمن يتعمد إهانة كتابه.

والتحقيق أن الأسماء هي الالفاظ الدالة على الحقائق سواء كانت هذه الحقائق ذوات أو معاني، فإن القرآن نزل باللسان العربي، ومن المعلوم أن العرب يطلقون الاسم على اللفظ الموضوع إزاء المعنى المدلول عليه به، ولا ينبغي أن يفسر القرآن بما تواضع عليه فلاسفة اليونان فان ذلك خارج عن الوضع العربي الذي نزل به، ولا يمنع هذا أن يكون آدم عليه السلام علم خواص الاشياء كما علم أسماءها.

ولا ريب أن معرفة هذه الخواص تتوقف على معرفة الألفاظ التي تعبر عنها، وحياة الناس من الضرورة فيها بمكان معرفة أسماء ما تتوقف عليها من المنافع فإنها حياة اجتماعية لا يستقل فيها أحد بنفسه، ولذلك احتاج الناس إلى وضع اسماء للك ما يحدث أو يكتشف من الأشياء التي لم تكن معهودة من قبل، وهذا شيء معهود في جميع اللغات خصوصا فيما تتوقف عليه مصالحهم، ومن الذي يستغنى في عصرنا هذا عن معرفة اسم الكهرباء، والمذياع، والسيارة، والطائرة مثلا، وقد كان سلفنا في غنى عن معرفة جميع ذلك لعدم تعاملهم مع هذه الأشياء وعدم تصورهم إياها.

وبهذا التحرير يتبين لك أن الصحيح هو ما عليه الجمهور من أن المراد بالأسماء الألفاظ الدالة على المعاني وقد أجاد الشهابان الخفاجي والألوسي حيث قالا إن في ماحكاه الفخر الرازي نظرا، ويتبين لك ايضا إن أصح الأقوال هو أن المراد بالأسماء أسماء الأجناس وهو قول وسط بين إفراط الغالين وتفريط المصرين، إذ دعوى أن الله علمه جميع اللغات التي تتحدث بها ذريته إلى يوم القيامة أو علمه كل ما يكون في المحيط الإنساني إلى أن يرث الله الأرض إفراط لا يستند إلا إلى الوهم، وقول من قال إن المراد بالأسماء أسماء الملائكة فحسب أو أسماء النجوم، أو أسماؤه تعالى الحسنى ليس بشيء، فان حاجة البشر إلى معرفة الأشياء الأرضية التي تشتد ضرورتهم إليها ابلغ من حاجتهم إلى معرفة أسماء الملائكة والنجوم، ومن ناحية أخرى فإن قوله تعالى من بعد: { ثم عرضهم على الملائكة } يدل على أنه سبحانه جاء بمسميات هذه الأسماء فعرضها على الملائكة وطالبهم بأن يخبروه بأسمائها، وإذا كانت هذه الأسماء للملائكة فيكف يكون هذا العرض على الملائكة أنفسهم، والقول بأنه عرض على كل طائفة منهم طوائف أخرى، وطالب الطائفة المعروض عليها أن تخبر بأسماء الطائفة المعروضة هو في منتهى التكلف وليس له حظ من الدليل، وأبعد من ذلك عن الصواب القول بأنها أسماء الله الحسنى فإن عرض مسماها مستحيل عقلا ونقلا.

ومن الظاهر بداهة أن المراد بقوله: { ثم عرضهم على الملائكة } [البقرة: 31] عرض مسميات هذه الأسماء لا الأسماء نفسها فإنها أعراض تتعذر مشاهدتها، وعود الضمير على المسميات وإن لم يسبق لها ذكر لأجل قرينة ذكر أسمائها، والرباط بين الاسم ومسماه رباط قوي فالأسماء إنما وضعت لأجل استحضار ماهيات مسمياتها بحيث تكون مجلوة للأذهان، وهذه الصلة بين الاسم ومسماه هي التي أدت بالكثيرين إلى القول بأنهما شيء واحد، وقد سبق الكلام على ذلك في أول تفسير الفاتحة، وقد جعل ابن المنير الاسكندري - في الانتصاف من صاحب الكشاف - من هذه الآية دليلا على أن الاسم هو المسمى، وانتقد فيه الزمخشري بشده حيث أشار إلى التفرقة بينهما، وزعم أن ذلك من الزمخشري بشده حيث أشار إلى التفرقة بينهما، وزعم أن ذلك من الزمخشري فرار عن معتقد أهل السنة وإخلاد إلى ما عليه المعتزلة، وفي ما قاله نظر لما سبق لك في تفسير البسملة من أن كثيرا من المحققين من أصحاب المذاهب الأربعة قالوا بالتفرقة بين الاسم والمسمى، فليس القول بذلك من معتقد المعتزلة وحدهم.

وهذا العرض على الملائكة من الأمور الغيبية المسلمة، ومن العسير تحديد طريقته لعدم قيام دليل على ذلك، ومن المحتمل أن يكون الله سبحانه عرض صور هذه المسميات للملائكة كأنما يشاهدون حقائقها عن كثب وهو أمر هين بالنسبة إلى قدرته عز وجل، وفيما نشاهده الآن من عرض لأجسام غير حاضرة بكل حركاتها وأحوالها مع مصاحبة ذلك بنقل حديثها شاهد على ما ذكرته، فإن الله سبحانه الذي منح خلقه القدرة على ذلك هو أجل وأقدر على كل ما يشاء، فمن الهين عنده تعالى عرض صورة ما لم يخلق بعد من مصنوعاته، ويمكن أن يكون ذلك بإحضار هذه المسميات في أذهان الملائكة، وفيما يراه النائم من المشاهد غير الحاضر شاهد على جواز ذلك، وليس ببعيد أن يكون تعالى قد خلق حالتئذ أفرادا من أجناس هذه المسميات حتى يشاهدها آدم والملائكة ويتصوروها.

وجمهور المفسرين يقولون بحصول مهلة بين تعليم الله آدم الأسماء وعرضها على الملائكة معولين على ما تدل عليه " ثم " من الترتيب والمهلة، ولا مهلة عندهم بين العرض عليهم ومطالبتهم بأن يخبروا بأسمائها بدليل العطف بالفاء التعقيبية في قوله: { فقال } ومرد ذلك - حسبما قالوا - إلى قصد تبكيت الملائكة، وخالفهم في ذلك الإمام ابن عاشور معولا على أن " ثم " هنا للمهلة الرتبية لا للمهلة الزمنية، كما هو شأنها في عطف الجمل، وقد سبق بيان ذلك في قوله تعالى:

ثم استوى إلى السمآء

صفحه نامشخص