368

والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع

[النور: 45]، وذهب طائفة إلى أن المراد بالأسماء اللغات وذلك أنه تعالى علمه جميع اللغات التي تدور على ألسنة ذريته، وقد تلقى كل واحد من أولاده لغة منها ثم تفرقوا فورثها كل أحد منهم ذريته، وبطلان هذا القول ظاهر، فإن اللغات أكثر بكثير من عدد أولاد صلب آدم، على أن كثيرا منها قد تولد من لغات سابقة ولا تزال تتولد إلى عصرنا هذا.

وحكى الفخر الرازي عن بعض الناس أن المراد من الأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها، واستدل له الفخر بأن الاسم إما أن يكون مشتقا من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة فهو بمعنى العلامة، وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ما هياتها، فصح أن يطلق الاسم عليها، وإن كان من السمو فكذلك لأن الدليل يرتفع بمدلوله وهو أسمى منه لتقدمه عليه، وبحث في تخصيص النحويين الاسم بما هو معروف عندهم، وأجاب أن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، ولصحة هذا التفسير لغة يرى الفخر وجوب التعويل عليه هنا لوجهين:

أولهما ان الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر منها في معرفة أسمائها، والقصة المحكية هنا إنما تحكى فضيلة آدم على الملائكة.

ثانيهما: أن التحدي يتوقف جوازه على ما كان ممكنا للمتحدي في الجملة، فللعربي أن يتحدى من كان مثله بأن يأتي بمثل كلامه في البلاغة العربية دون أن يقول لزنجي مثلا آت بمثل هذا الكلام وذلك لأن العقل ليس هو طريق تعلم اللغات، وإنما طريق ذلك الممارسة، أما العلم بحقائق الأشياء فالعقل يتمكن منه مع التجارب التي تتولد منها المعلومات.

ورأي الامام محمد عبده يتفق مع رأي الفخر في المعنى وإن يكن بينهما خلاف لفظي، ففي المنار بعد إيراد قوله تعالى { وعلم ءادم الأسمآء كلها } ما نصه " أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد بالأسماء المسميات، عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له، وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر، والعلم الحقيقي إنما هو إدراك المعلومات أنفسها، والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف ".

قال الأستاذ: ".... ثم إن الاسم قد يطلق إطلاقا صحيحا على ما يصل إلى الذهن من المعلوم أي صورة المعلوم في الذهن، وبعبارة أخرى هو ما به يعلم الشيء عند العالم، فاسم الله مثلا هو ما به عرفناه في أذهاننا، بحيث يقال إننا نؤمن بوجوده ونسند إليه صفاته، فالأسماء هي ما به تعلم الأشياء، وهي العلوم المطابقة للحقائق ".

" والاسم بهذا الاطلاق هو الذي جرى الخلاف في أنه عين المسمى أو غيره، وقد كان اليونانيون يطلقون على ما في الذهن من المعلوم لفظ الاسم، والخلاف في أن ما في الذهن من الحقائق هو عينها أو صورتها مشهور كالخلاف في أن العلم عين المعلوم أو غير المعلوم، وأما الخلاف في أن الاسم الذي هو اللفظ عين المسمى أو غيره، فهو ما أخطأ فيه الناظرون لعدم الدقة في التمييز بين الاطلاقات لبداهة أن اللفظ غير معناه بالضرورة، والاسم بذلك الاطلاق الذي ذكرناه هو الذي يتقدس ويتبارك ويتعالى

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]

صفحه نامشخص