جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وأصله بمعنى التطهير ولذلك سمى السطل قدسا لأنه يتوضأ به ويتطهر.
واحتيج لدفع التكرار الذي يوهمه اقتران التسبيح بالتقديس - مع ما علمته من التقارب بينهما - إلى التفرقة بين معنييها، فقيل: إن أحدهما باعتبار الاعتقادات، والثاني: باعتبار الطاعات البدنية، وقيل: التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ، ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أخر نحو سبوح قدوس.
وفعل قدس يتعدى بنفسه وإنما اللام هنا لتأكيد وقوع النسبة كما في قولهم شكرت لك ونصحت لك، وقيل: إن التقديس بمعنى التطهير، ومرادهم به تطهيرهم لأنفسهم من معاصي الله لأجله تعالى، فكأنهم قابلوا الإفساد في الأرض المتوقع صدوره من البشر، والذي أفحشه الإشراك بالله سبحانه بتسبيحه تعالى الذي هو من مقتضيات توحيده، وقابلوا سفك الدماء الذي هو من أشنع المعاصي العملية بتقديس أنفسهم - أي تطهيرها من أكدار المعاصي - من أجله تعالى، فاللام على هذا أصلية مفيدة للتبيين ولا تخلو من التعليل، وعليه فلا إيهام للتكرار، ومجيء هذه الجملة إسمية لأجل إفادة الدوام والثبوت فهم - عليهم السلام - من شأنهم الاستمرار على هذه الحالة التي وصفوا بها أنفسهم بحيث لا ينفكون عنها.
واختلف في المراد بقوله: { إني أعلم ما لا تعلمون } ، فقيل: أراد به تعالى ما يعلمه من وجوه المصلحة في استخلاف هذا الجنس من خلقه في الأرض، وقيل: أراد علمه بذنبهم واستغفارهم، وقيل أراد به أنه عليم بمن يطيعه وهم الأنبياء والأولياء والصالحون، وبمن يعصيه وهو إبليس وحزبه، وقيل: أراد به الرد على قولهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } فقد كان من بينهم إبليس وهو منطو على ما ظهر من بعد من الكفر والشقاق وهم لايعلمون ذلك، والله به عليم، وجوز القطب - رحمه الله - أن يكون المراد به أنه تعالى عليم بما لا يعلمونه من غلبة القوة العقلية على القوة الشهوية والغضبية بحيث تضمحلان فيها اضمحلال الظلمة عند النور حتى تكونان مسخرتين لها فيقوى الإنسان على استعمال الغضبية في جهاد المشركين والمنافقين وفي قهر النفس والشيطان، وفي الأمر والنهي غضبا لله تعالى وعلى استعمال الشهوية فيما يشتهيه من أمر الآخرة والدين وإعزازه وإقامته.
وأرى أن جميع هذه الأقوال غير وافية بالمقصود من المعنى فإن ما لا يعلمونه غير منحصر فيما ذكر، و(ما) من أدوات العموم، والأصل فيها وفيما أشبهها إبقاؤها على عمومها حتى يقوم دليل التخصيص ولا مخصص هنا، وقد أوضح المراد قوله تعالى فيما بعد: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } وجميع ما ذكر مندرج في هذا المفهوم العام، والقرآن أولى بتفسير بعضه بعضا.
وهذا وقد استظهر القرطبي من هذه الآية الكريمة وجوب وجود خليفة للمسلمين يرجعون إليه فيما يعنيهم من أمور الدين والدنيا، وذكر في تفسيرها جانبا من أحكام الإمامة وتابعه على ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره كما تابعه الإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وأسهب في بيان الأحكام المتعلقة بالموضوع، وأرى أن غير هذا الموضع من التفسير أنسب بما ذكروه هنا.
الملائكة عباد معصومون
والمحكي عن الملائكة لا ينافي عصمتهم لما سبق من أنهم لم يقولوه على سبيل الاعتراض، ومما يستغرب ما نقله الألوسي عن الشعراني أنه نقل عن شيخه الخواص أن العصمة خاصة بملائكة السماء، وعلله بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة بخلاف ملائكة الأرض فهم عنده غير معصومين، ولذلك وقع إبليس فيما وقع فيه، وهذا القول إنما هو صادر من ملائكة الأرض، وهذه دعوى واهية، إما أولا فإن الله عز وجل أثنى على ملائكته جميعا بقوله:
بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
[الأنبياء: 26-27]، وقوله:
صفحه نامشخص