364

يسبحون الليل والنهار لا يفترون

[الأنبياء: 20]، فدعوى خروج طائفة منهم عما يقتضيه هذا الوصف من العصمة ليس عليها شاهد ولا دليل، وما هي إلا تحكم لعدم المخصص؛ وإما ثانيا فإن الذي يقتضيه سياق قصة آدم أن الخطاب ليس مقصورا على بعض الملائكة دون بعض فإن الله سبحانه ذكرهم بلفظ التعريف الدال على قصد الجنس وهو يوحي بالشمول، ويتأكد ذلك بقوله سبحانه من بعد:

فسجد الملائكة كلهم أجمعون

[الحجر: 30] حيث أكد الشمول الذي يفيده الجنس بمؤكدين وهما " كل وأجمعون " ، ومن الظاهر جدا أن الملائكة المأمورين بالسجود لآدم هم المخاطبون أولا بنبأ الاستخلاف لأن السجود هو تكريم من الله له بعد أن أثبت سبحانه تفوق قدره على الملائكة بمعرفته الأسماء التي لم يعرفوها، والأمر به مترتب على ما سبق من مقاولة في شأنه، والقول بأن الملائكة الذي آذنهم الله بخبر الاستخلاف هم جميع أفراد الجنس الملكي هو قول أكثر المفسرين، وقد خالفهم في ذلك جماعة منهم قطب الأئمة - رحمه الله - في الهيميان، فقالوا إنهم ملائكة الأرض وحدهم، وذكر الألوسي عن الصوفية أنهم خصوا هذا الخطاب بمن عدا العالين منهم، وهم الذين استودعوا أسماء الله وصفاته فهاموا بها وحدها ولم يشعروا بما سواها، وحملوا على ذلك قوله تعالى لإبليس:

أستكبرت أم كنت من العالين

[ص: 75] وذلك لأن العالين عندهم غير داخلين في هذا الخطاب ولا مكلفين بالسجود وهو تأويل بعيد عن الصواب لا يصح أن يحمل عليه كلام الله تعالى الذي أنزله بلسان عربي مبين، وقول الجمهور هو الصحيح لأنه المفهوم من صيغة الكلام.

ويستفاد من رد الله على الملائكة بقوله: { إني أعلم ما لا تعلمون } وجوب الانقياد التام لجميع أوامر الله من غير أن تعرض على العقول المخلوقة، فإن علم الله محيط بكل شيء وحكمته تسمو على أفكار الخلق، والعقل لا يمكن له أن يحيط بدقائق الأمور، فإن مثله مثل البصر الذي تحول الحوائل بينه وبين إبصار ما وراءها، وإذا كانت الحواجز الحسية تمنع العين عن إدراك المبصرات فإن الحواجز المعنوية الكثيفة هي أيضا مانعة للعقل عن الوصول إلى فهم كثير من الحقائق، وكل طاقة في المخلوق محدودة بقدره بما في ذلك الطاقة العقلية على أن العقل كثيرا ما يتأثر بالمؤثرات النفسية والاجتماعية فتكدر صفوه وتحجب شعاعه، فمن المؤثرات النفسية ما جبلت عليه النفس من الغضب والشهوة، فكم من عاقل تأجج في نفسه الغضب فدفعه إلى ارتكاب ما يجعله يعض من بعد على بنان الندم طول حياته، وكم من عقل كبل بأسر شهوات النفس فلم يستطع الفكاك منها، ومن أهم المؤثرات الاجتماعية البيئة فإنها ذات أثر كبير على من ينشأ فيها ويتربى في محيطها، ولذلك تختلف أفكار الناس استحسانا واستهجانا بحسب اختلاف بيئاتهم، بحيث تجد أمرا يعد عند أهل بيئة من أحسن الأمور، بينما يعد عند غيرهم من أقبحها، والكل معدودون في العقلاء، ولذلك كان الواجب الاحتكام إلى الشرع المنزل من السماء لا إلى عقول الناس المتغيرة الأطوار المختلفة الأحوال.

والمؤمن عندما يسمع خطاب الله الموجه إليه بأمر أو نهي لا يملك إلا أن يسلم تسليما ويتهم عقله إن وجده رافضا لهذا الخطاب أو لشيء منه:

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا

[الأحزاب: 36].

صفحه نامشخص